الأرشيف

كلمة من إدلب عقب العودة من نيويورك

2025-09-27كلمة
أنا وصلت في البارحة الأمس إلى الشام، وهي لعمري أحب بقاع الأرض إلى قلبي. لكن إدلب هي العشق. أكنت أحضر خطابًا بعد عودتنا من الجمعية العمومية للأمم المتحدة، لأضعكم بصورة ما حصل معنا. فآثرت أن يكون الخطاب من هنا، من إدلب، وفاءً لها. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين. ثم أما بعد. أيها الشعب العظيم، أبطال الحكاية السورية. نعم، أنتم أبطالها، وأنتم أهلها وأصحاب قضيتها. أنتم من ضحى وعانى وشُرّد وقُتل وعُذب. بدماء شهدائكم وصرخات أطفالكم، وحزن أيتامكم ودموع ثكلاكم، بصبركم وثباتكم، وشكركم إلى الله. صدقتم الله فصدقكم الله. بكم جميعًا، رفعت سوريا رأسها، وشمخت عاليًا بين الأمم، واستعادت كرامتها وعزتها. إنكم بصنيعكم هذا، قد أصبتم العالم بالدهشة والذهول. لقد التقيت بعظماء العالم وكبار ساسته، فرأيت إجلالًا واحترامًا وتقديرًا لعظيم ما فعلتم. لقد دخلتم التاريخ من أوسع أبوابه، وبنيتم اليوم رمزًا للتضحية والصمود، ومنارة للعزة والإباء تقتدي بها الأجيال بعدكم، وجسدتم عمليًا فصلًا من ملحمة سرمدية بين الحق والباطل. كل ذلك أعانني بعد الله أن أنقل صورتكم إلى العالم أجمع، وأنقل معها آلامكم وآمالكم، مع الحفاظ على كرامتكم وعزتكم. لقد سعينا للبحث مع كل دولة، ومع كل دولة اجتمعنا، ومعها على نقاط التقاء المصالح، وربطها بما يصب في صالح بلدنا الحبيب. ولقد رأيت من جميع الدول، وبعيدًا عن لغة المصالح، حبًا صادقًا وأمنيات حية أن تزدهر سوريا وتنمو وتستعيد عافيتها. ورأيت أيضًا إصرار الدول بالإجماع على وحدة سوريا واستقرارها ورفض دعوات التقسيم. أيها الشعب السوري، إن هذا التفاعل الإيجابي يحملنا إلى نهاية دولة، ويضعنا جميعًا أمام مسؤوليات عظيمة، ويضعنا أمام استحقاقات لا بد منها. إن سوريا تحتاج جميع أبنائها لإعادة بنائها. إن وحدة الشعب السوري واجب لا مفر منه، وهو أساس لإعادة بناء سوريا الجديدة التي يشارك فيها أبناؤها جميعًا دون تفرقة، وينضوي الجميع تحت ظل القانون، وبحقوقهم متساوية. ولذا فإن على الجهود أن تتضافر، وأن نستفيد منها، وأن نستفيد من حالة التفاعل العالمي مع قضية الشعب السوري. إن رفع العقوبات ليس غاية بحد ذاته، بل وسيلة لخدمة الشعب، وجذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد، وتطوير البنية التحتية، وخلق فرص عمل لإعادة بناء البلد من داخلها. أيها الشعب السوري العظيم، إن سوريا لم تعد معزولة عن العالم، فقد أعادت وصل ما قطع، وأثبتت أنها قادرة على تقديم الكثير. وها قد عادت سوريا إلى مكانها ومكانتها التاريخية الفاعلة بين الأمم. وكما نصرنا الله على أبشع نظام عرفه التاريخ الحديث، فإننا قادرون بإذن الله على بناء بلدنا من جديد. فإننا اليوم مطالبون بالعمل والكفاح والصبر، وتقديم كل ما نستطيع لهذه الغاية. واليوم فرصتنا عظيمة للم شملنا، وإن قوتنا تكمن في وحدتنا، وإن الوحدة رحمة والفرقة عذاب. وقد اخترت إدلب اليوم ليخاطب منها أهل سوريا عرفانًا لها، فقد كانت هي الأم التي فاء إليها أبناؤها، وتحولت إلى سوريا مصغرة حين عزت الأرض وضاقت عليها بما رحبت، فانحاز إليها الناس، وشاركوا جميعًا في هذا الإنجاز التاريخي. واليوم يوم الوفاء لأمنا، لإدلب العز العزيزة بأبنائها، وبمن احتضنت من كافة المحافظات السورية. فإنه في كل زاوية ذكرى وتاريخ، فدينها في عنق سوريا كبير. واليوم أدعوكم لتوفوها جزءًا من حقها، لإعادة بنائها، وتمكين النازحين من العودة لبيوتهم، وهدم آخر خيمة فيها. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.