الأرشيف

خطاب النصر في مؤتمر إعلان انتصار الثورة السورية

2025-01-29خطاب
خطاب النصر يلقيه السيد القائد العام أحمى الشرع، فليتفضل مشكورًا. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه. قبل بضعة أشهر، تهيأت لي دمشق كالأم المتفانية، ترمق أبناءها بعين المستغيث المعاتب، وهي تشكو جراحات الذل والهوان، تنزف دمًا وتكابر على الألم، وتكاد تهوي وهي تقول: أدركوا أمتكم، أدركوها قبل أن يلحق بكم عار الأمم. فدمشق التي أورثتكم عز الشرق ومكانة المجد، فالشام خيرة الله من أرضه، سوريا الحضارة، سوريا التاريخ، الشام أمانة، أمانة أبي عبيدة بن الجراح وخالد بن الوليد. آهٍ يا شام! كم كان يعذبنا أنين صوتها. فأي ذل أعظم من أن يحكمها طغمة الإجرام، ويفعل بها الذي فعلوا؟ هدموا بيوتها وهجروا أهلها، وعذبوهم في سجون الظلام، ثم ضغطوهم بمكابس الحديد، وأحرقوا جثامينهم بالأسيد. فناديناها بصدق: قفي دمشق، قفي وانهضي وتصبري. فعقدنا العزم، ونظمنا الصفوف، وتهيأت القوات، وحددنا الهدف، وملنا على عدونا، حتى أدركنا الشام قبل أن تهوي. كسرنا القيد بفضل الله، وحُرر المعذبون، ونفضنا عن كاهل الشام غبار الذل والهوان، وأشرقت شمس سوريا من جديد. هلل الناس وكبروا، فكان الفتح المبين والنصر العظيم. ونفضنا عن كاهل الشام غبار الذل والهوان يوم انتصر الحق على الباطل، والعدل على الظلم، والرحمة على العذاب. أما بعد أيها السادة، إن الصفة المتعارف عليها في الحرب والمعركة العسكرية هي الخراب والدمار وسفك الدماء، غير أن نصر سوريا تحقق وملؤه الرحمة والعدل والإحسان عند القدرة. فإنه قد خاب من ظن أن الحرب تبيح الأخلاق، بل إن السلطة والمال والسلاح فساد عريض ما لم تحكمه القيم والأخلاق. وإن فلسفة الصراع هو صراع الحق مع الباطل، والخير مع الشر، والعدل مع الظلم. فكلما تساوت أخلاق أهل الحق مع الباطل، خسروا وإن انتصروا. "فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين" رغم أنه انتصر. وإن اللحظات الأولى للنصر قد تكون هي عينها اللحظات الأولى للهزيمة، فإنه قد تكون هي عينها الغرور إذا لازم المنتصر بعد نصره ونسي فضل الله عليه، أودى به إلى الطغيان. إن النصر له تكليف بحد ذاته، فمهمة المنتصرين ثقيلة ومسؤولية عظيمة. فإن النظام البائد خلف جراحات عميقة مجتمعية واقتصادية وسياسية وغيرها، وإصلاحها يتطلب حكمة عالية وعملًا دؤوبًا وجهدًا مضاعفًا. وإصلاحها يتطلب حكمة عالية. فواهم من ظن أن زمن النصب قد ولى، وأن الراحة قد أقبلت. إن ما تحتاجه سوريا اليوم أكثر مما مضى، فكما عزمنا في السابق على تحريرها، فإن الواجب هو العزم على بنائها وتطويرها. إن سوريا قيمة بحد ذاتها، وهي ترفع من يخدمها وتخفض من لا يقدرها، فهي أمانة اليوم بين أيديكم. وإن أولويات سوريا اليوم هي أولوية: أولًا: أن يملأ فراغ السلطة بشكل شرعي وقانوني. ثانيًا: أن يحافظ على السلم الأهلي من خلال السعي لتحقيق العدالة الانتقالية ومنع مظاهر الانتقام. ثالثًا: أن تبنى مؤسسات الدولة وعلى رأسها العسكرية والأمنية والشرطية، فإن حفظ أمن الناس مقدم على أي اعتبار. رابعًا: أن يُعمل على بناء بنية اقتصادية تنموية تُعنى بأعمالها، وإعادة تأسيس الموارد البشرية، والزراعة والصناعة، وقطاع الخدمات. خامسًا: أن تستعيد سوريا مكانتها الدولية والإقليمية، وأن تُنشئ علاقاتها الخارجية على أساس الأخوة والاحترام والسيادة والمصالح المشتركة. قد كثر الحديث عن الماضي المجيد لأمتنا، وقد ملّ الناس من تكرار "كان وكنا". وبهذا النصر العظيم قد حُق لنا أن نصل الماضي بالحاضر المشيد، وحُق لنا أن نقول: كان وكنا، نحن وأنتم. قال الحاضر، قالت الأحداث. فلتعد أيها التاريخ، لتسود صفحاتك من جديد، وتكتب به أنغامًا من الأهازيج. مبارك لنا ولكم ولكل سوريا، ومن تعاطف معها ووقف بجوارها. والحمد لله رب العالمين.