الأرشيف

الرجل القوي

?كلمة
وإن الرجل القوي هو من يعرف متى يقدم ومتى يحجم، ويعرف عدوه وخصمه كما يعرف نفسه. فنصف الحرب معرفة العدو. وإذا طلب حاجة تجهز لها بعدتها إن كان قادراً، وإلا فبالمتاح. فقد جهز رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية بعثق من تمر. وإن الرجل القوي يشتد على عدوه ويحسن لصاحبه، ولا يشهر سيفه إلا ليهوي به، ولا يشتفي إذا انتصر، ولا يذل أحداً ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، ولا يقبل وقت الطمع، ولا يفر وقت الفزع، ويقدم الرأي. فالسيف بلا رأي يقطع صاحبه، وقد يأخذ العدو بحسن التدبير أكثر مما يأخذه بالسيف. وإن الرجل القوي لا يستريح، فإن استراح فلا يريح العدو. والأهم من هذا أنه يخلع قلب عدوه فيرعبه ويرهبه. فهو مغامر عاقل، يخوض غمار الصعوبات، ولا يتهيب الشاهقات، يضحي بنفسه لأجل أمته، وليس هو بمغامر متهور يضحي بأمته لأجل نفسه. ولا يغتر بقوته، ولا يستهين بعدوه. رفيق بجنده وأهله، شديد على عدوه. ولا يستجر لحرب يختارها عدوه، بل هو من يفرض القتال على عدوه في المكان الذي يناسبه ولا يناسب عدوه. وإذا جرح أو خدش، صار كالذئب أشد شراسة وأكثر قوة. يغار على أعراض المستقبل، ويغار على أعراض المسلمين ومقدساتهم، ويثأر لدمائهم وينتصر للمظلوم من الظالم، وقاف عند الحقوق، ولا ينقص من قدره قضاء عادل، ولا يترفع عن حكم الله. أيها المجاهدون، إن الشدة والبأس هما حصن الرحمة والشفقة إذا وضع كل في موضعه. وإذا خلت قلوب المجاهدين من الرحمة، كانت بطشاً وظلماً. وإذا خلت الرحمة من الشدة، كانت تفريطاً وضعفاً. فالشدة في موضع الرحمة، والرحمة في موضع الشدة. ومن هذا الحد الفاصل بين الشدة واللين قوله تعالى: "أذلة على المؤمنين، أعزة على الكافرين". اللهم اجعلنا أذلة على المؤمنين، أعزة على الكافرين. اللهم قوي ضعفنا، واجبر كسرنا، ووحد صفنا. اللهم منزل الكتاب، مجري السحاب، هازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم. ربنا اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.