يا جنود الإسلام، إنما فتح الله عليكم وما يليه من فتح بإذن الله، إنما هو نتاج الحمل الطويل، والمخاض العسير، والجهود المضنية.
مئة عام صُلبت فيها أعواد المجاهدين واشتدت، وانسقلت معادن الرجال، وتمايز الخبيث فيها من الطيب. فما سُل سيف في سبيل الله ولا ضربت رصاصة، ولا ألقيت قذيفة ولا هاجر مهاجر، إلا وأصحابها يرجون أن يقربهم ذلك إلى أرض الشام. فقُتل منهم من قُتل، وهم يتواصون ويتعاهدون على ذلك، حتى صار الأمر إليكم من بعدهم. وشاء الله أن يفتح لكم من أرض الشام ما فتح، فخصكم بقطف ثمرة مئة عام من الجهاد والاستشهاد.
فالشام لا تزال تتقلب في أذهان المسلمين جيلاً بعد جيل، فلا يطرف لهم جفن إلا والشام في مخيلتهم. فهي والله أمانة عظيمة في رقابكم ورقاب من بعدكم.
يا أيها الذين آمنوا، لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون. فأنتم اليوم في صدارة من يتحمل أمانة الجهاد، وقد خصكم الله بها. وثمن هذه المكرمة هو الصدق في القتال والجهاد في سبيل الله، والثبات على المبادئ.
وتذكروا أن هذه الأرض سقيت بأطهر الدماء حتى فتحت، وأنها تحققت بأطهر الدماء حتى فتحت؛ دماء صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم ورثها من بعدهم كابراً عن كابر، حتى سقطت رهينة بأيدي الغزاة الطامعين، ثم صارت إلى بني نصير. واليوم أتى دوركم لتعيدوها إلى مجدها وعزها وأهلها، أهل الإسلام.
ولا تهولنكم كثرة الأعداء، فقد قيل لخالد يوم اليرموك: أما ترى لهذا الجيش الذي أشرف علينا بعدد الشوك والحجر؟ فقال خالد: فما يكون من كثرتهم إن كان النصر لنا والله معنا؟
واحذروا الوقت، فقد صار الوقت عدوكم قبل أن تواجهوا عدوكم. وفرقوا بين الحيطة والخوف، فمن داخله الخوف قدم حياته على قتل عدوه، فالأولى به يومئذ أن يجلس مع الخوالف.