بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.
قال تعالى: "أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ".
بعد مرور الأشهر العجاف في أرض الشام، وما تتعرض له من هجمة شعواء شرسة، من قتل للأطفال، وضرب للشيوخ، وحبس للرجال، وهتك للأعراض، فإن نزيف الدم الهائل قد أيقظ في قلوب الصادقين معاني التضحية والفداء، والبطولة والإباء، وحرك فيهم حب الشهادة والاستشهاد، ورفع راية الحق وذروة سنام الإسلام. فتعالت أصواتهم، وعادت النداء لأهل الجهاد، فما كان منا إلا أن نلبي النداء، ونعود لأهلنا وأرضنا من الشهور الأولى لاندلاع الثورة.
ولعله قد فات بشار وماهر أن زمان استضعاف المسلمين قد ولى وانتثر، وعاد للأمة الإسلامية سيفها البتار الذي يحول بينها وبين الطغاة الظالمين، يذود عن أعراضهم ويصون دماءهم ويحفظ أموالهم. ولذا فإننا نبشر الأمة الإسلامية بالحدث التاريخي المنتظر، بتشكيل جبهة لنصرة أهل الشام من مجاهدي الشام في ساحات الجهاد، ساعين منا لإعادة سلطان الله إلى أرضه، وأن نثأر للعرض المنتهك والدم النازف، ونرد البسمة للأطفال الرضع والنساء الأرامل. ونسأل الله أن يردنا أهل الشام.
فعلى أهل الشام أن يلتفوا حول راية لا إله إلا الله، فإنما يرفع بها الذل والهوان، ويسود العدل ويسحق الظلم.
فحي هلا إن كنت ذا همة فقد
حدا بك حال الشوق فطو المراحل
ولا تنتظر بالسير رفقة قاعد
ودعوا فإن الشوق يكفيك حاملا
وخذ قبسا من نورهم وخذ قبسا من نورهم
وسر به
فنورهم يهديك ليس المشاعلا
وقل ساعدي يا نفس بالصبر ساعة
فعند اللقاء يصبح ذا الكد زائلا
فما هي إلا ساعة ثم تنقضي
ويصبح ذا الأحزان فرحان جاذلا
إنما على أهل الشام أن يدركوا أن هذا النظام لا يزول إلا بقوة الله ثم بقوة السلاح. فإن حمل السلاح لأهل الشام، لأنه يدرك أن هذا النظام لا يزول إلا بقوة الله ثم بقوة السلاح، ليس مشينة يعابون عليها، إنما المشينة أن تحكم فينا شريعة الغاب لا شريعة الله ونحن ننظر. إنما المشينة أن تهتك أعراض الحرائر ونحن ننظر. إنما المشينة أن تسفك الدماء ونحن ننظر. إنما المشينة أن يساق الرجال بالقيود خلف قضبان المذلة ونحن ننظر.
فعلى كل حر أبي أن يتخذ سلاحًا يتحكمه، يدفع به عن نفسه وعرضه الخطر، ولو كلفه ذلك أن يبيع أثاث منزله، فالدين والدم أغلى وأولى يا أهل المروءات. فالصبر الصبر يا أهل الشام، فإنما قد اشتدت الآن، وإذا صبرت لجهد نازلة، فكأنما ما مسك الجهد.
ومن الجدير بالملاحظة في هذه الساحة تكاثر الدعوات فيها، ولا عجب، فإن ساحة الشام محطة لصراع تاليدي قديم حديث. ومن جملة هذه الدعوات الاستعانة بالعدو الغربي للخلاص من العدو البعثي، فهي دعوة شاذة ضامنة، وجريمة كبرى ومصيبة عظمى، لا يغفرها الله، ولن يرحم أصحابها التاريخ أبدًا. فهل يعقل أن المجرمين الذين قتلوا وأعانوا على قتلهم في مشارق الأرض ومغاربها سيطونون الفارس النبيل الذي يخلص الأمة من ظلم النظام وحاشيته؟ هل فات هؤلاء أن الغرب وأمريكا شركاء النظام في جرمه؟ فلله الحمد والمنة قد أدرك صغار الناس في أرض الشام ما لم يدركه كبار أصحاب هذه الدعوات.
ومن المشاريع المحكومة عليها بالفشل أيضًا مشروع الجامعة العربية وقضية المراقبين، فقد رمتها أمريكا سعيًا منها لإعطاء النظام فرصة ليقضي على أمة أهل الشام. وكذلك لا يخفى على كل عاقل السعي الإيراني الحثيث مع هذا النظام منذ سنين قد خلت لزرع الصفوية في هذه الأرض المباركة لاستعادة الإمبراطورية الفارسية، فالشام لإيران هي الرئتان التي يتنفس بها مشروعها البائس.
إذن أمام هذه المعادلات والأجندات المختلطة، على الأمة أن تعود وتضع ثقتها بأبنائها. ألا فلتدع عنها استجداء النصرة من الظلمة. ولقد أثبت أبناء هذه الأمة أنهم قد كسروا هيمنة وأسطورة الجبابرة الذين يفوقون هذا النظام بأضعاف مضاعفة من حيث الإمكانات المادية والبشرية والتقنية. ولا ينكر إلا أنه يتعامل بأسلوبها، ولا يجحد إلا جاحد، الصديق منهم والعدو، ما منّ الله عز وجل على أبناء هذه الأمة من نصر مؤزر، رغم أن في سراديب التاريخ وأبواق النصر الذين مثلهم كمثل الغربان التي تنتهش الميتة بعد أن افترسها الأسود.
فالعودة لهذه الأمة هو السبيل الراشد الذي ينقذ المركب من الضياع، ويصونه من الخراب والعبث والدمار. فأبناء الأمة وأخص منهم أهل الجهاد هم الوحيدون القادرون على التغيير الحق. فلا عبرة في التغيير إن كان التغيير من الظلم إلى الظلم، ومن السحق إلى السحق، فهذا هو عين الفساد مع اختلاف ألوانه. إنما التغيير ينبغي أن يكون من الظلم إلى العدل، ومن الباطل إلى الحق. فحذار حذار أن تخدع الأمة خمسين سنة أخرى.
فالنجاح في هذه الأمة، ومن كل هذه المعامع، أن ترجع الأمة لأصلها، وتضع الثقة بمن هم أهل للثقة. وإن جبهة النصرة تحمل على عاتقها أن تكون سلاح هذه الأمة في هذه الأرض، وتغني الناس بعد الله عز وجل عن استنصار الغرباء القتلة.
ولا يغيب عني أن أدعو بالرحمة لكل شهيد سقط على هذه الأرض، وبالفرج لكل أسير أسر لقضية حق، وبالصبر لكل مصاب ومكلوم، وكل أرملة وثكلى، وكل فاقد لأب أو أم أو أخ أو أخت. ونعاهدكم جميعًا، نحن أبناء جبهة النصرة، أن دماءنا دون دمائكم. والله الموفق وعليه التكلان. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.