أما الآن، نستمع إلى كلمة السيد رئيس الجمهورية، السيد أحمد الشرع، فليتفضل مشكورًا.
— بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد.
لقد مر تاريخ سوريا عبر قرنٍ من الزمن بتحدياتٍ وتحولاتٍ عدة؛ فمن مرحلة الاستعمار إلى التيه السياسي، مرورًا بالوحدة، ثم حزب البعث، إلى حكم الأسدين. وقد تحملت سوريا خلال هذه الحقبة أوجاعًا وآلامًا شتى؛ اجتماعيةً واقتصاديةً وسياسيةً ونفسيةً ومعنويةً وأخرى. فقد نهشتها الضباع وأوغلت في دمائها.
ثم أتت الثورة السورية المباركة، ثم النصر المبين، والفتح العظيم، أنقذت سوريا من الهلاك. أنقذت ولكنها مثقلةٌ بالجراح، وهي اليوم في غرفة الإنعاش، تقف بين أيديكم فرحةً لكنها جريحةٌ متألمة، تناديكم لتقفوا جميعًا متحدين متعاونين لمداواتها وتضميد جراحها ومواساتها. وكلها ثقةٌ بكم أنكم لن تخذلوها بعد اليوم، وأنكم لن تخذلوها بعد اليوم، ولن تغفلوا عنها، وستسهرون لحمايتها وبنائها وازدهارها.
أيها السادة الكرام، إن سوريا اليوم دعتكم جميعًا، لا لتختلفوا بل لتتفقوا. دعتكم للتشاور في مستقبل بلدكم وأمتكم والأجيال اللاحقة بكم. إن الأحداث الجارية عنوانٌ لمرحلةٍ تاريخيةٍ جديدة، تسطرونه بأناملكم، وتبنونه بأيديكم، وتعلمونه لأبنائكم. إن سوريا اليوم عادت لأهلها، بعد أن سُرِقت على حين غفلةٍ من أبنائها. فاحفظوا أمانتكم، واحرُسوا وديعتكم، وأدُّوا الذي عليكم.
أيها السادة الكرام، إن أعظم علاجٍ لبلدكم اليوم هو الإحساسُ بها وبأوجاعها، والشعورُ بها وبآلامها. فلك الله يا شام، لك الله يا شام.
أعزائي الكرام، نحن أمةٌ خُلِقنا أحرارًا، تعلمنا في ديننا الشجاعة والصبر والكرم والأخلاق الحميدة، واستعملناها في كل نِزال. فلسنا نُجيدُ البكاء على الأطلال، ولسنا نُجيدُ اللطم والعويل، بل نحن أمةُ العمل والجد. وإذا قُلنا فعلنا، ونوينا أدَّينا، وإذا وعدنا وفينا بعون الله. نقتلِعُ الشوكَ بأيدينا، نُجابِه الصِّعاب، نُجابِه الصِّعاب، نقتحمُ العواصف، نُواجِه ولسنا نلين ولا نستكين. فنحن أهلُ الشام، نحن أهلُ الشام، أهلُ هذه الأرض ومادتها.
السادة الكرام، فإنه يليقُ بنا اليوم، ونحن أمام هذه المسؤولية العظيمة، أن نُراعِيَ الآتي: أننا بمرحلة إعادة بناء الدولة من جديد، مع كل ما لحِق بها من خرابٍ ودمار. وأن هذه المرحلة ذاتُ خصوصيةٍ ومسائلَ حرجة، ولها ميزاتٌ تختلفُ عن دولةٍ ذاتِ نظامٍ مُستمِر، يعقُبُه الأشخاص ويبقى النظام.
إن وحدةَ السلاح واحتِكارَه بيد الدولة ليس رفاهيةً بل هو واجبٌ وفرض. إن سوريا لا تقبلُ القِسمة، فهي كلٌّ متكامِل وقوَّتُها في وحدتها. إن سوريا تعاني من تدميرٍ مُمنهجٍ لاقتصادِها وخدماتِها الأساسية، وأن عواملَ أهلكتها تكمُنُ بداخلِها، وهي بحاجةٍ لخُطَّةٍ إسعافية، ثم أخرى متوسطة، ثم أخرى استراتيجية. وعلينا أن نحوِّل نكباتِها إلى فرصٍ استثماريةٍ حيَّة.
علينا أن نبني دولتَنا على القانون، وأن يُحترَم القانون من قِبل واضعِيه حتى يحترِمَه الناس. علينا التحلي بالصبر، ولا نُحمِّل سوريا أكثر مما تُطيق. إن سوريا بحاجةٍ إلى قراراتٍ جديدةٍ تُعالِج مشكلاتِها علاجًا حقيقيًّا، ولو كانت مُؤلمةً وصادمة. إن سوريا تراجعت عن مُحيطِها الإقليمي والدولي، وعليها أن تُسارِع للحاق، فينبغي اتخاذُ الخطوات المُناسبة لذلك.
إن السلم الأهلي واجبٌ على أبناء الوطن جميعًا، وإن الدعوات المشبوهة التي تستدعي حالةَ الخطر لطوائفَ ما، وتعرضُ نفسَ الحاميةَ المُنقِذة، دعواتٌ فارغة لا تنطلِي على الوعي السوري. فإن سوريا مدرسةٌ في العيش المُشتَرَك، يتعلَّمُ منه العالمُ أجمع. ولم يزل النظامُ يُخوِّفُ الناسَ من الفناء، حتى ظهرَ كذبَه بأيامٍ.
إن النصرَ الذي تحقَّق وفرحةَ السوريين قد ساءت أقوامًا هنا وهناك، ويسعونَ لتقويضِ منجزاتِ الشعب. فعلينا أن نكون حذرين، ونُواجهَ بصلابةٍ وقوةٍ وحزمٍ أي من يُريدُ العبث، ونحفظَ أمنِنا ووحدتِنا.
إن نظامَ الحُكم لأي بلدٍ يتفقُّ اتفاقًا وثيقًا مع المرحلة التاريخية السابقة لإقراره، والثقافة العميقة والأصيلة لأهل البلد. فلا ينبغي استيرادُ أنظمةٍ لا تتلاءَمُ وحالَ البلد، ويجبُ الابتعاد عن تحويل المجتمعات إلى حقول تجارب لتنفيذ أحلامٍ سياسيةٍ لا تُناسب.
عملنا خلال الشهرين الماضيين على مُلاحقة مُرتكبين جرائم بحق السوريين، وسنعمل على تشكيل هيئةٍ للعدالة الانتقالية تردُّ الحقوق للناس وتُنصِف إن شاء الله، وتُقدِّم المُجرمين للعدالة.
أيها السادة الكرام، قد سعينا خلال معركة التحرير وبعدها لحقن الدماء وعدم هدم الحواضر، واستعملنا في ذلك طرائق متعددة، وكلُّ ذلك ليتسنَّى للسوريين أن يجلسوا مع بعضهم ويعيدوا بناء بلدهم. ولعلَّ البعض قد ساءه بعضُ هذه الطرائق، فكما قبلتُم منا هذا النصر، فأرجو متكرِّمين أن تقبلوا منا طرائقَه.
كما أنَّ سوريا حرَّرَت نفسَها بنفسِها، فإنَّه يليقُ بها أن تبني نفسَها بنفسِها. فنحن قومٌ كرام، لا نعرفُ معنى للاستجداء والذُّلِّ والهوان. إن الشعوبَ الحيَّة هي الشعوبُ التي تحملُ رصيدًا وافرًا من القيم الأخلاقيَّة، فما إن تمسَّكت بها نجَت، وما إن تخلَّت عنها فشلت. وإنَّه ينبغي النظرُ لإصلاحِ ما هدمَه النظامُ الساقط بالبُنيَّة الأخلاقيَّة والقيميَّة في مجتمعِنا.
إن ما نعيشُه اليوم فرصةٌ استثنائيَّةٌ تاريخيَّةٌ نادرة، علينا استغلالُ كلُّ لحظةٍ فيها لما يخدمُ مصالحَ شعبِنا وأمَّتِنا، ويليقُ بتضحياتِ أبنائِها.
لا يسعُني في الختام إلا التوجُّه بالشكرِ الجزيل للجنة التحضيرية، والسادة الحضور، ولجميعِ من ساهمَ وشارك، ولكلِّ الشعب السوري ومن وقفَ معه. أعانَكم الله وأكرمَكم، وكتبَ الخيرَ على أيديكم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.