الأرشيف

تحرير إدلب: نصر من الله وفتح قريب

2015كلمة
يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم؟ تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم. ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون. يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار، ومساكن طيبة في جنات عدن، ذلك الفوز العظيم. وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب، وبشر المؤمنين. الحمد لله الذي نصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى أهله وصحبه وبعد. قال الحق جل في علاه: "وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا، يعبدونني لا يشركون بي شيئا". نبارك للأمة الإسلامية النصر العظيم الذي تحقق على يد أبنائها المجاهدين في مدينة إدلب العز. كما نبارك للمجاهدين حسن اجتماعهم وانضباطهم وإدارتهم للغزوة المباركة. ونثمن ونقدر جهود جميع من شارك من العسكريين قادة وجندًا، والإداريين والإعلاميين والمراكز الطبية والقائمين على معامل التصنيع. ونترحم على من قضى نحبه من الشهداء في هذه الغزوة، ونخص بالذكر الشيخ أبا جميل قطب وأبا عبد الله النجدي، وأبا البراء وأبا حفص المصريين، وأبا الوفاء الأنصاري. ونسأل الله لهم القبول، ونبشرهم أن دماءهم ما ذهبت سدى ولن تذهب بإذن الله. يقرب حب الموت آجالنا لنا وتكرهه آجالهم فتطول كما نحيي موقف أهلنا في مدينة إدلب ووقفتهم مع أبنائهم المجاهدين واستقبالهم الحافل لهم. ونعدهم أنهم لن يجدوا من أبنائهم إلا حسن الخلق وطيب المعشر، وسينعمون بإذن الله بعدل شريعة الله التي تحفظ دينهم ودماءهم وأعراضهم وأموالهم، وتصون عزتهم وكرامتهم، وتضع حدا للظالم والباغي والمعتدي عليهم، وتسهر على أمنهم، وتبسط الشورى وتسعى في حق الفقير والمسكين، وتعدل كل العدل بينهم. أيها المسلمون، إن ريح النصر التي هبت على أرض الشام تثبت للجميع أن السعي خلف الغرب ودول الإقليم لتحقيق النصر لهو سعي خلف السراب. فإن النصر وعز الإسلام لن يعود على أيدي القتلة المجرمين، كما ولن يعود على أيدي عملاء الغرب الذين ما فتئوا يطعنوننا بظهورنا ليحظوا برضى الأمريكان. وإنما النصر يتنزل باتباع أمر الله عز وجل، والتفاف المسلمين حول المجاهدين الصادقين. فالمجاهدون الصادقون هم قاعدة الأمة الصلبة التي لا تلين ولا تستكين بإذن الله. وإن النصر يتنزل باتباع أمر الله عز وجل، وإن النصر لا يتنزل إلا باجتماع أهل السنة، فإنهم إن اجتمعوا توثق اجتماعهم فصاروا كالبنيان المرصوص، ونسوا ما كان بينهم من ضغائن، وتآلفت القلوب وتوحدت الكلمة. والنصر الذي رزقنا الله إياه في مدينة إدلب ينبغي الحفاظ عليه، فمهمة الحفاظ على النصر أشد صعوبة من تحقيق النصر. وإن الأعداء والمتربصين بنا يراهنون على خلافنا وسوء تدبيرنا، وإنهم يتمنون فشلنا بعد النصر. ولذلك لا بد من الانتباه لهذا الأمر جيدا، ولا بد من دفع أسباب الفرقة والخلاف والزلل بعد النصر لتكتمل فرحة المسلمين. ولذلك فإننا كجبهة النصرة نؤكد على عدم حرصنا على حكم المدينة أو الاستئثار به دون غيرنا، وإنما حرصنا أن تكون المدينة بأيد أمينة يحققون فيها العدل، ويسحقون الظلم، ويحكمون بشرع الله، ويبسطون الشورى. فإن الشورى خير نظام حكم أمرنا الله به، فالشورى عصمة الرأي، يتدافع الناس بها حتى يهديهم الله لأصوب الرأي وأحسنه. كما أننا نشير إلى ضرورة الحفاظ على الممتلكات والخدمات والمرافق العامة، وإبقائها مسخرة لخدمة المسلمين. وينبغي دعوة الموظفين للعودة إلى أعمالهم في القطاعات الخدمية كالصحة والكهرباء والمياه والمخابز والاتصالات وعمال النظافة. كما يجب الاستفادة من الكوادر والطاقات البشرية الموجودة داخل المدينة، وإنزال الناس منازلهم مع الأخذ بعين الاعتبار أن أهل إدلب هم أهلنا لهم علينا حق الأخوة والنصرة. وأن تشكل لجنة إشراف من قبل الفصائل تنظر حالهم وتلبي احتياجاتهم فيما يعينهم على أداء واجبهم على أكمل وجه، ومحاسبتهم إذا ما قصروا حيال ذلك. ونؤكد على أهمية الإسراع في إنشاء المحاكم، وأن يكون هناك محكمة شرعية تقضي بين الناس، وتفض الخصومات وتفصل بينهم في النزاعات. وعلى عامة الناس أن يرفعوا شكواهم ومظالمهم إليها، حتى وإن كانت حقوق مضى عليها عشرات السنين، فالحق لا يسقط بالتقادم. وندعو فصائل جيش الفتح ألا ينفض جمعهم، وأن يبقى بأسهم شديدًا على عدوهم، رحماء بينهم، وأن يجمعوا قوتهم لنصرة الإسلام والمسلمين، ويسيروا على بركة الله. فاستمروا يا جنود الإسلام في دحر عدوكم، فإن لكم أهلا محاصرين في دمشق وريفها وحمص وحلب ينتظرون نجدتكم فلا تخذلوهم. ونقول لأهلنا المحاصرين والمهجرين: اصبروا أيها الأحبة، فقد حوصر وجاع من هو خير منا جميعا، محمد صلى الله عليه وسلم وصحبه. لقد حوصروا في شعب بني هاشم ثلاث سنين حتى ما يكاد أحدهم يجد طعاما يأكله، وهم خير البرية. وقد هاجر المسلمون قاصدين الحبشة فرارا من تعذيب وتنكيل قريش بهم. وقد لاقى أهل الإسلام الأمرين في مجالدتهم لكفار قريش، ثم ما كان إلا أن عم الإسلام الدنيا ودانت له أمم عظام في الأرض. فالله أراد رفعة القوم فامتحنهم واختبر صبرهم. ولئن والله صبرتم في حربكم هذه لينصرنكم الله، ولتعودن بيضة الإسلام وعزه ومجده. فإن الشعوب المسلمة ترقب صبركم وثباتكم، لأن نصركم هو تحول تاريخي لصالح الإسلام والمسلمين. ولئن خارت قواكم وعضتكم سنون الحرب، فوالله لتذوقن ذلا لا تطيقونه، ولينزلن بكم من البأس أشد مما أنتم فيه الآن. فما ذل قوم جاهدوا وصبروا على جهادهم وانتصروا من الظالم وتحرروا من عبوديته، فإنما النصر صبر ساعة. وإن أناسا نفث الشيطان في مناخرهم وأخذتهم وساوس المصالحات، فما علمنا بين الحق والباطل إلا الباطل. والحق لا يتنازل قدر إصبع إلا فقد كونه حقا. فهذه المحن تخرج معادن الناس، تخرج ما فيها من خير وشر. فلابد من مواصلة الطريق والصبر على لأوائه، فما هي إلا ساعة صبر وترون الحصار فك عنكم، وعاد المهجرون من مهجرهم، وسعد الأطفال وعادت البسمة لليتامى والأرامل والثكالى، وكسر قيد السجناء، وتحررت الشام من ربقة الطغاة الظلمة إلى عز الدنيا والآخرة بإذن الله. يا جنود الإسلام، إني لكم ناصح فاستمعوا. إن الله قد ابتعثنا للجهاد في سبيل الله، وقد أبقى فينا كتابه الذي فيه هدى الله ورسوله. فإن تمسكتم به هديتم لما هدي له. فنحن ندافع عن دين المسلمين ودمائهم وأعراضهم وأموالهم، ونعدل بينهم، وننشر بينهم كل فضيلة وندفع عنهم كل رذيلة، نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر. فلا ينبغي التفريط في شيء من هذه الضرورات، فهي مقصد جهادنا. وإن قوما حملوا هذه الأمانة العظيمة لا بد أن تتجسد بهم مكارم الأخلاق التي بعث النبي صلى الله عليه وسلم ليتممها، من صدق وإيفاء بوعد وعهد وأمان. قوم حلتهم المروءة والنخوة، يبرون آباءهم ولا ينهرونهم، ويختارون الخير لأزواجهم وأبنائهم، فإن خيركم خيركم لأهله. واعلموا أن للحرب أخلاقا، من تمسك بها انتصر. وإن حسن الخلق من الإسلام في السلم والحرب، وقد خاب من كسب الحرب وخسر الخلق. فالحرب لا تبيح شيئا من سيء الأخلاق كالكذب والغدر والخيانة، ولو استباحها العدو. وإن الفحش ليس بقوة، والعفة ليست بضعف. وإنما نحن دعاة هداة، ولسنا طغاة أو جباة. وإن خير النصر ما كان قليل الكلفة، فليست الغاية أن ندفع بالمسلمين إلى الهلكة، وليست مهمة المجاهدين أن يبطشوا جبارين في الأرض. فإنهم إن غلبوا بذلك البطش والجبروت، فلا يدخل الناس في دعوتهم وتحت سلطانهم إلا على غصة في النفوس وحقد في القلوب، فلا يستقيموا لهم أبدا. وإنما خرجنا بدعوة الإسلام والجهاد لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة. وإن الله مطلع على قلوبنا، فلا ينصرنا إلا بصدق نياتنا. فليست هيبة المجاهدين والأمراء في ترويع الناس، ولكن في تأمينهم وكف الظالم وأخذ الحق للضعيف، فيهاب القوي ويأمن الضعيف. ويومها يلتف الناس حول المجاهدين بدلا من أن يلتفوا عليهم، ويحفظون قوة المجاهدين لحفظ أنفسهم بهم. وبغير هذا فضياع للعاملين والمجاهدين على السواء. فإن المغرور من غره عمله، فمن منّ به على قومه ضاع أجره. "قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى، والله غني حليم". وأن حسن المقال ورفع الشعار دون الفعال لا يرضي الله ثم المسلمين. فبينة المدعي عمله، ولا يسلم مدعي الدعاء أنه على خير إلا ويبتليه الله، فيعمل فيصدق دعواه أو يكذبه. ولا نشق عن صدور الناس لنرى ما فيها، ولا نزكي أنفسنا على غيرنا، فالناس من آدم وآدم من تراب. ولا نحكم على الناس بغير حجة ظاهرة، ولم يكتب الله العصمة لأحد بعد الأنبياء، فقد يخطئ من يخطئ مع صدق نيته. فمن الناس من يقول حقا وهو يبغي باطلا، فلا نحيد عن الحق لاتهامنا لمن قاله، فنحن أولى بالحق، والحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها. وإن الناس يظلمون المجاهدين إن ظنوا بهم العصمة، فإن أخطأ قوم من المجاهدين تلقف الطاعنون ذلك منهم ليطعنوا في الدين والجهاد نفسه. يا أيها المجاهدون، إن الله أيدكم بالقوة والبأس ليخشاكم القوي الظالم، فينبغي أن يكون لكم من رقة القلب ما يرجوه الضعيف ويركن إليه المسكين. وإن سلاحكم الذي حملتموه إنما ملككم الله إياه لنصرة المظلوم والوقوف بوجه الظالم، فمن استخدمه في غير موضعه خاب وخسر في الدنيا والآخرة. وحذار يا جنود المسلمين من خصومة لا تهنؤون فيها بنصر ولا ترضون فيها بهزيمة، فهي لا شك عبث وانشغال عن الحق، فترفعوا عنها. ويا أمراء المجاهدين، لا يقتصرن عملكم على خطة الحرب وتدبير الكتائب والسرايا والقتال، ثم إذا انتهى القتال انتهى عملكم. وإنما للناس عليكم حق، حق للمهجرين والمشردين، والجرحى والأرامل واليتامى، والثكالى والجياع. فاسعوا في تدبير حاجات الناس وشؤونهم قدر استطاعتكم، وخالطوا المنكوبين فتشعروا بمآسيهم. فبئس من ولي أمرا من شؤون المسلمين ثم اقتصر عمله على ما كان في زمان ولايته غير آبه بما يقول من بعده. فإننا اليوم نمهد العز الإسلامي ومجده ونشيد صرحه ليبقي في عهدنا وعهد من بعدنا راسخا قويا إلى ما شاء الله. ولا ينشغلن قائد وقت الحرب بمن سيحكم بعد النصر، فإن الملك لله يؤتيه من يشاء. "قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير". واذكروا ضعفكم يا جنود الإسلام، واذكروا "إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون". فتأملوا يا جنود الإسلام وأنتم قبل أعوام قليلة لا يأمن أحدكم على نفسه الخطر ولا يملك ما يدفع به عن نفسه، وها أنتم اليوم وبعد سنين قليلة قد أصبحتم قوة لا يستهان بها، ومنّ الله عليكم بالفتح والنصر، وتهاوت أمامكم صروح العدو وقصوره وثكناته. فهذا فضل الله وحده، فأديموا ذكر الله وذكر نعمته وفضله عليكم، وربوا أنفسكم على التواضع والتذلل لله، واسألوا الله الإخلاص والقبول. "ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون". وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.