بسم الله الرحمن الرحيم.
مؤسسة المنارة البيضاء للإنتاج الإعلامي تقدم كلمة صوتية للشيخ الفاتح أبي محمد الجولاني حفظه الله، والكلمة بعنوان: "الله الله في ساحة الشام".
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد.
اللهم لك الحمد على كل حال.
لقد فجعت الأمة بما قد حل من اقتتال داخلي بين الفصائل المجاهدة في الأيام الماضية. ونحن إذ نعتقد بإسلام الفصائل المتصارعة، رغم استغلال بعض الأطراف الخائنة للحالة الراهنة لتنفيذ مأرب غربي أو مصلحة شخصية. وعليه، فإن القتال الحاصل نراه في غالبه قتال فتنة بين المسلمين. وقد حذر الله تعالى وعظم حرمة الدم المسلم تعظيمًا شديدًا، فقد قال تعالى: "وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا". وحذر من ذلك رسولنا صلى الله عليه وسلم، فقد صح عنه في الحديث: "لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل مؤمن بغير حق". وفي الحديث أيضًا: "من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة، جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة الله".
ولا يمنع هذا من أن يدافع المرء عن نفسه في حال تعرض لاعتداء بقدر ما اعتدي عليه. فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: "فلا تعطه مالك". قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: "قاتله". قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: "فأنت شهيد". قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: "فهو في النار".
لقد جرت الكثير من الاعتداءات في الساحة بين الفصائل المسلحة، وتجاوزات من بعض الفصائل. كما أن السياسة الخاطئة التي تتبعها الدولة في الساحة كان لها دور بارز في تأجيج الصراع، يضاف إليها عدم الوصول إلى صيغة حل شرعية معتمدة بين الفصائل، تنصاع لها كل القوى لحل كل الخلافات العالقة، مما زاد في تراكم الخلافات واتساع الفجوات دون الوصول إلى حل نهائي لمعظم الإشكالات. وعلى سبيل المثال لا الحصر، قضية أمير الجبهة في الرقة الذي اعتقلته الدولة ثم اتهمته بالردة، ومصيره اليوم بين مجهول ومقتول، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
لقد نتج من هذا التراكم قتال على مستوى عالٍ جدًا، ستدفع ثمنه إن استمر الساحة أولًا، ثم الدماء المعصومة المسلمة من كل الأطراف. وستدفع ثمنه الأعراض التي انتهكت، والأسرى في سجون نصيرية، والأيتام والأرامل والثكالى وكل مهجر. ستدفع ثمنه جبهات حلب، وطول صبر المحاصرين في حمص، وأهل دمشق والغوطة الذين عولوا بعد الله على الشمال مددًا وخيرًا. وفي المحصلة، ستدفع الساحة بمن فيها من مهاجرين وأنصار ثمن ضياع ساحة جهادية عظيمة، وسينتعش النظام بعد قرب زواله، وسيجد الغرب والرافضة لأنفسهم موطئ قدم كبرى في أجواء هذا النزاع إن لم يستدرك.
كل الحذر من أن ينجرف الناس لصراع جاهلي بين المهاجرين والأنصار، فضرورة تواجد العنصر المهاجر في الساحة الجهادية ضرورة حتمية لإبراز لحمة الإسلام في مثل هكذا صراع تاريخي. فعن عمر بن دينار سمع جابر بن عبد الله يقول: كنا في غزاة، قال سفيان: يرون أنها غزوة بني المصطلق، فكسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار، فقال المهاجري: يا للمهاجرين! وقال الأنصاري: يا للأنصار! فسمع ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "ما بال دعوى الجاهلية؟" قالوا: رجل من المهاجرين كسع رجلًا من الأنصار. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دعوها فإنها منتنة".
إن هذا الحال المؤسف دفعنا لأن نقوم بمبادرة إنقاذ للساحة من الضياع، وتتمثل بتشكيل لجنة شرعية من جميع الفصائل المعتبرة، وبمرجح مستقل، ويوقف إطلاق النار، ويقضى في الدماء وفي الأموال المغتصبة، وتنصاع الجماعات على الوقوف صفًا واحدًا وبالقوة أمام كل من لا يلتزم بقضاء اللجنة الشرعية بعد إقرارهم فيها حتى تفيء إلى أمر الله. قال تعالى: "وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيئَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ". ويجري تبادل المحتجزين من كل الأطراف، وتُعزز الخطوط الأمامية في قتال النظام بالأولوية الكبرى، وتفتح الطرق للجميع. هذا بالمجمل العام.
هذه المبادرة قد قبل فيها بعض الأطراف، وعلق بعضهم موافقته على موافقة الأطراف الأخرى، وماطل البعض في الإجابة. لقد كانت هذه المبادرة بمثابة طوق نجاة للساحة، ولن يظلم فيها طرف على حساب طرف آخر، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ولا تزال الفرصة سانحة لإنقاذ الساحة بهذه المبادرة أو غيرها، أو التعديل عليها.
وأما بالنسبة لنا:
أولًا: كما ذكرنا نرى أن هذا القتال قتال فتنة بين المسلمين، ونبرأ إلى الله عز وجل من كل قطرة دم أريقت بغير وجه حق.
ثانيًا: نعلن أننا سنبقى محافظين للمسلمين على خطوط رباطنا ضد النظام، بل وسنحاول تعزيز المواقع مما استطعنا إلى ذلك سبيلًا. وندعو كل من يريد الحفاظ على ساحة الشام من أن تهتك الأعراض والحرمات على يد النظام أن يلتحق بالثغور، ونؤمن له كل ما يلزم بإذن الله.
ثالثًا: ندافع عن أنفسنا ضد أي عدوان يقع علينا على النفس والمال من قبل أي شخص، أي طرف كان.
رابعًا: المهاجرون، قد وجب على كل عنصر من عناصر الجبهة من أهل الشام والناس عامة أن يتولوا حماية من أوى إليهم، ويدفعوا عنهم بدمهم ومالهم، فهذا واجب شرعي لا منة لأحد فيه ولا فضل، ولا ينفك عن عاتقنا، وسنلقى الله عز وجل وسنسأل. "وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ". والحذر إخواني المهاجرين من أن تستغل هجرتكم وجهادكم لغير الهدف الأعظم الذي نفرتم من أجله، أو يحيد قتالكم عن أولويات الصراع. فالله الله في جهادكم وفي أهلكم أهل الشام.
وفي الختام، لا شك من أن هذه الفتنة ستزول عما قريب، وستعود الصفوف لترتص من جديد، وتوجه البندقية حيث ينبغي أن توجه، ونعود جميعًا لنسطر صفحات جديدة من الانتصارات، ونقف حاجزًا منيعًا ضد الرافضة والنصيرية والغزاة. اللهم وحّد صفوفنا ولمّ شملنا، يا جواد يا كريم. اللهم هذا بلاغي، اللهم فاشهد. "إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ". والحمد لله رب العالمين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
اشتركوا في القناة.