وإلى الأبطال الميامين، فرسان الشام وقادتها، ليوث الجهاد والاستشهاد. أذكركم في ظل هذه الظروف التي تحاك لكم، قول الله تبارك وتعالى: "الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاحشوهم، فزادهم إيماناً، فقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل". وقوله أيضاً: "وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير، فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله، وما ضعفوا وما استكانوا، والله يحب الصابرين".
إن طريق النصر إيمان واجتهاد، محنة وبلاء، صبر وثبات، وتوجه إلى الله، ثم يجيء النصر والنعيم. وإن نصر الله متأخر لمن يستحقه، ولا يناله إلا الذين يثبتون حتى النهاية، يثبتون على البأساء والضراء. قال تعالى: "ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع، ونقص من الأموال والأنفس والثمرات، وبشر الصابرين".
إنها تكاليف النصر والانتقال من الذل إلى العز، ومن الضعف إلى القوة، ومن الهزيمة إلى النصر. فيعز بذلك على أصحاب هذا البلاء أن يفرطوا بالنصر بعد هذه التضحية العظيمة، ولا ينال ما بعد هذا البلاء إلا أصحاب الصبر. قال تعالى: "أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون".
يقول سيد رحمه الله: إن الإيمان ليس كلمة تقال، إنما هو حقيقة ذات تكاليف، وأمانة ذات أعباء، وجهاد يحتاج إلى صبر، وجهد يحتاج إلى احتمال. فلا يكفي أن يقول الناس آمنا، وهم لا يتركون لهذه الدعوة حتى يتعرضوا للفتنة، فيثبتوا عليها، ويخرجوا منها صافية عنها، خالصة قلوبهم، كما تفتن النار الذهب لتفصل بينه وبين العناصر الرخيصة العالقة به، وكذلك تصنع الفتنة بالقلوب.
يا جند الشام، لقد شرفكم الله بجهاد عظيم في أرض طيبة مباركة، تدفعون عن المستضعفين من الناس. فشدوا عزماتكم، وقووا ضرباتكم، ولا تخيفكم حشودهم وطائراتهم، فإن الشجاعة وقاية، والجبن مقتلة. وإن الشجاعة وقاية. وليكن قدوتكم في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.
عن علي رضي الله عنه قال: لما اشتد البأس يوم بدر، اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان من أشد الناس يومئذ بأساً، وهو أقربنا إلى العدو. يفر جبال القوم عن أم نفسه، ويحمي شجاع القوم من لا يناسبه.
فأمام كل صراع بين الحق والباطل، ينقسم الناس إلى عدة أصناف: إلى مؤمن ومنافق، ومقدم ومحجم. فاختر من أي صنف تكون، من الذين قالوا: "ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً"، أم من يقول: "هذا ما وعدنا الله ورسوله". قال تعالى: "ولما رأى المؤمنون الأحزاب، قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله، وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً".
فاليوم، اليوم يظهر الشجاع من الجبان، اليوم يظهر الصادق من الكاذب، اليوم يظهر المؤمن من المنافق. وتشتد الحرب لتظهر معادن الرجال. فقليل من الصبر ينجز الله وعده بنصره. وليكن لسان حالك يا جندي الإسلام:
ولئن رزقت الموت في ساح الوغى
إذ نار حقدهم تشرب من دمي
كيما أنادي في الأعادي شامخاً
رباه إن الموت نعم المغنمي
وبثثت تلك الأرض نجوى عاشق
يا شام يا شام هل رويت بطاحك من دمي
وكل ذاك يا إلهي باهضاً
إن كان مزجياً بجنة منعمي
فيا حماة هذا الدين، أحسنوا ظنكم بالله، وتوكلوا عليه سبحانه. فهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الغار: يا رسول الله، لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تحزن إن الله معنا". وهذا موسى عليه السلام، فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى: "إنا لمدركون". قال: "كلا إن معي ربي سيهدين". وهذا إبراهيم عليه السلام عندما وضع في المنجنيق جاءه جبريل فقال له: ألك عندي حاجة؟ فقال: أما أنت فلا، وأما الله فحسبي الله ونعم الوكيل.
فإنا على يقين بنصر الله، وكأني أرى جموع المجاهدين يدخلون دمشق منتصرين، وأن النظام النصيري زائل زائل، وأن بشار مقهور ذليل هو وأعوانه، وأن أهل الشام في أمن الإسلام وحكمه بإذن الله. فما ضاع من تكفله الله، وما ذلك على الله بعزيز.