بعد سلسلة الانتصارات الساحقة التي حققها المجاهدون على أرض الشام، والتي أدخلت النظام في مرحلته النهائية، حيث انهارت قوته الدفاعية، وباءت جميع محاولاته الهجومية بالفشل، وتحول جيشه إلى ميليشيا كحال الميليشيات المستعان بها، قوات غير منسقة ولا مرتبة، لم تعد قادرة على إحراز دور فاعل سوى تلقي الهزيمة.
ووصلت الفتوحات إلى عقل دار النظام النصيري، وتبين لإيران وحزب الله أن جميع الدعم الذي قدموه لهذا النظام باء بالفشل والخيبة، وبدأت ملامح سقوطه تلوح في الأفق. فلجأ النظام لخطته البديلة، والتي تقضي برسم حدود دولته الجديدة الممتدة من جنوب دمشق إلى شمال اللاذقية. غير أن ضربات المجاهدين لم تدع له خيارًا لا في خطته المجاهدة ولا في البديلة ولا في غيرها، فإن الضربات المركزة والعمليات المتقنة كانت تهدد أركان دولته المنشودة، فاللاذقية عنده في خطر، وكذا دمشق على دربها.
فسارعت الوفود تلو الوفود إلى طهران لينقذ ما تبقى من هذا النظام، واجتمع مع هذا رغبة عند الروس لإيجاد ملف ضاغط على المجتمع الأوروبي، علّه يقايض به على الملف الأوكراني. وللأسف، لم يجد الروس أفضل من الورقة السورية يضغطون بها على الغرب لإيجاد حل للقضية الأوكرانية يصب في مصلحتهم. وكذا لا يخفى وجود رغبة جامحة عند الروس في استعادة دور بارز لهم على الساحة الدولية بعد فقدانهم لهذا الدور لأكثر من ثلاثين عامًا، وخاصة بعد تراجع الدور الأمريكي.
وقد غاب عن الروس أن أسباب تراجع الدور الأمريكي عائد إلى النجاحات التي منّ الله بها على المجاهدين في كل من أفغانستان والعراق، ما أدى إلى فشل الأمريكان في المنطقة. وبعد هذا، جاء الغزو الروسي ليعلن للملأ أنه أتى لينقذ بشار من سقوطه، ويتخذ من حرب جماعة الدولة عنوانًا للوصول إلى مآربه كما فعل من سبقه. وهو يعلم حقًا أن تنظيم الدولة لا يهدد وجود النظام، فالأماكن التي تسيطر عليها جماعة الدولة ليست على تماس مع عمق النظام. فلم يكن من العجب أن يبدأ قصفه باستهداف فصائل جيش الفتح والفصائل المتواجدة على تماس مباشر مع قوات النظام، وكذلك قصف القرى الآمنة وقتل الأطفال والنساء، استمرارًا لما كان يفعله النظام المجرم.
ومن هذا المنطلق جاء الغزو الروسي، رغم الأسى، مبشرًا لنا، حيث أن الدخول الروسي هو إعلان لفتحه، وإعلان لفشل التدخل الإيراني وحلفائهم من حزب الله وغيرهم، وإعلان لانهيار النظام ووصوله لآخر رمق في حياته. جاء التدخل الروسي ليعلن أيضًا عن حملة صليبية شرقية بعد فشل الحملة الصليبية الغربية في الشام، وفشل كل سياساتها ومكرها وخداعها للالتفاف على جهاد أهل الشام وتطويعهم لحلولها السياسية البالية التي تقضي أن تكون شرقية تابعة للغرب وسيطرًا عليها.
ونحن نتساءل: هل حقًا تعتقد الحكومة الروسية أن جيش النظام وبشار الأسد سيتم إنقاذه ببعض الطائرات والمدافع؟ هل هذا حقًا ما ينقص النظام للحفاظ على بقائه؟ فمما لا شك فيه أن هناك أهدافًا كثيرة للتدخل الروسي لم يتم الكشف عنها، وسترين الأيام ما نجهل اليوم. إنما نعلمه يقينًا مع الغزاة الطارئين، كما النبتة لا تحيا في غير أرضها.
وها هم صليبيو الشرق أتوا ليقولوا لكل مسلمي العالم، شرقهم وغربهم: جئناكم لنستأصل شأفتكم، ونعيد تاريخًا أسودًا عمره ألف عام، متحالفين مع أشد الناس عداوة للمسلمين وأهل السنة، ألا وهم الرافضة الصفويون من شيعة إيران والعراق ولبنان ونصيرية سوريا. وسيعيدون بذلك تاريخهم الأسود في تسليط الكافرين على أهل السنة، كما فعل جدهم ابن العلقمي عندما أدخل التتار على بغداد فاستباحوا المسلمين وقتلوا منهم نحو مليون مسلم. وكما فعل زعماء الرافضة في إيران من إدخال الأمريكان إلى أفغانستان والعمل على كشف عورات أهل السنة. ولا يخفى على أحد كيف أعانت إيران والأحزاب التابعة لها من رافضة العراق، كيف أعانوا الأمريكان على احتلال العراق، ثم ما لبث الأمريكان أن سلموا العراق على طبق من ذهب لإيران. واليوم يتحالف الرافضة من إيران ولبنان والعراق مع النصيرية لتستباح الشام المسلمة للغزو الصليبي الشرقي، روسيا الاتحادية، ويتفاخرون بذلك ويهللون ويرقصون، ثم يدعون أنهم يقاومون ويمانعون.
وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول: "إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت". إن الحرب في الشام ستنسي الروس أهوال ما لاقوه في أفغانستان. والغزو الروسي الجديد هو آخر سهم في جعبة أعداء المسلمين وأعداء أهل الشام بإذن الله. وقد لاحت بوادر هزيمته من بدايته المتعثرة، وسيكسرون بإذن الله على عتبات الشام. والله الموفق.