السيد الرئيس،
أحب أن أتوجه بالشكر الجزيل للسيد الرئيس والشعب الفرنسي لاستقبال سوريين لاجئين خلال سنوات الحرب الماضية، وعلى حفاوة استقبالهم لهم وكرمهم الذي حظوا به.
السيدات والسادة،
أشكر الرئيس ماكرون على الدعوة الكريمة وحفاوة الاستقبال، فهذه ليست مجرد زيارة دبلوماسية، بل هي لحظة اعتراف، اعتراف بقدرة الشعب السوري وحقه في تقرير مصيره وطاقته على إعادة بناء ما تم تدميره.
لقد ارتبط اسم سوريا لعقد من الزمن بظلال الحرب والنزوح والبراميل المتفجرة والأسلحة الكيميائية والجوع والحصار والموت. عندما نهض الشعب السوري في عام 2011 ضد نظام الأسد، لم نكن نتوقع أن تمر ثورتنا بمراحل عدة، ولا أن يتعرض شعبنا لأقصى درجات العنف البشري في عهد من الرعب مارسه النظام السابق، وسط غياب شبه تام للمساءلة من قبل الكثيرين في المجتمع الدولي، مما دفع بالسوريين إلى أوضاع لا يتمنى أحد أن يمر بها.
لكن سوريا ليست مجرد ماضٍ موجع، إنها شعب رفض أن يُمحى ورفض الخضوع لحكم الاستبداد. شعب عاش جميع مراحل الثورة. وكانت من أوائل الدول الأوروبية التي طردت بعثاته الدبلوماسية إثر المجازر المروعة التي ارتكبها، وأول دولة أوروبية تعترف بالمعارضة السياسية آنذاك.
استثمرت فرنسا في الجهود الإنسانية والسياسية وفي ملفات المساءلة في وقت قل فيه من يفعل ذلك، لتضمن أن ألم السوريين لم يُمحَ ولن يُنسى، ونحن نثمن لها ذلك. ويكفي أن تمتلك دولة ذات رؤية مثل فرنسا تاريخًا من تشكيل ملامح الدولة الحديثة لتدرك وتقدر هذا الحق في دولة أخرى.
السيدات والسادة،
لقد ناقشت اليوم مع الرئيس إيمانويل ماكرون سبل التقدم المشترك بين سوريا وفرنسا في القضايا ذات الاهتمام المشترك. وكما أشار سيادة الرئيس في كلمته، نحن ندرس آفاق التعاون في مجالات الأمن وإعادة الإعمار والتنمية بالإضافة إلى العدالة والمساءلة. فإن أمن سوريا هو استقرارها، واستقرارها هو استقرار المنطقة بأكملها بل والعالم.
لقد واجهت سوريا ولا تزال تهديدات أمنية خطيرة، ونعمل بلا كلل على مواجهتها. سلامة المواطنين السوريين هي الأولوية القصوى، وقد أكدنا ذلك للرئيس ماكرون اليوم. وكما أنه لا أحد أحرص على فرنسا من الفرنسيين أنفسهم، فإن الأمر ذاته ينطبق على سوريا.
نحن ندرك أن هذه الفترة صعبة، كما هي كل فترة ما بعد الثورة وما بعد الحرب، حيث تنتظر حسابات تُصفى وتتلاطم في النفس السورية مشاعر الحزن والغضب والخوف والأمل. ونحن نحاول بشكل جماعي وفردي أن نستوعب انتهاء حكم الاستبداد الذي دام أربعًا وخمسين عامًا، والذي استخدمت فيه الطائفية والرعب كسلاح ضد المجتمع السوري.
لقد شهدنا في الأشهر الأخيرة أحداثًا مأساوية افتعلتها عناصر مسلحة من فلول النظام السابق، تسعى لخلق الفوضى وإشعال الفتن مستغلة هشاشة الوضع. وقد استغل بعض المسلحين هذا الواقع ليبثوا الفوضى، فيما ضاعفت شبكات التضليل الإعلامي من خطورة الموقف لصناعة روايات مشوهة محملة بالعنف السياسي.
من جانبنا، تحركنا بسرعة لمعالجة الوضع، واعتقلنا الخارجين عن القانون، وشكلنا لجنتين: الأولى للتحقيق في الحوادث، والثانية لاستعادة السلم الأهلي والتواصل مع المجتمعات المتضررة. وقد أقر مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بالإجماع بجهودنا، وفتحنا الأبواب أمام لجنة التحقيق الدولية التي أثنت على تعاوننا الكامل معها.
كما ناقشنا التعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية على الأراضي السورية، مع تقييم مساهمة فرنسا في هذا الشأن والنظر في أطر جديدة للدعم الدولي. إن مكافحة الإرهاب مسؤولية عالمية.
وفيما يتعلق بتجارة الكبتاغون غير المشروعة التي فتك بها النظام السوري في المنطقة، فقد أظهرنا أننا شريك جاد في مكافحة المخدرات. كما أننا تعاونا مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية والتي زارت سوريا عدة مرات، وقدرت شفافية تعاملنا وتيسيرنا لمهامها، ويؤكد التزامنا الكامل بمعالجة كل أثر للسلاح الذي كنا ضحاياه.
ناقشنا كذلك الاتفاق الجاري مع قوات سوريا الديمقراطية، مدركين أن فرنسا تتعاون معهم منذ فترة في ملف مكافحة داعش. كما تناولنا قضية المقاتلين الأجانب الفرنسيين في سوريا والخطوات التالية بهذا الصدد. وتطرقنا إلى أمن حدودنا والتهديدات الإسرائيلية المستمرة، حيث قصفت إسرائيل سوريا أكثر من عشرين مرة خلال الأسبوع الماضي فقط، ما أدى إلى مقتل أربعة مدنيين وجرح ستة آخرين تحت ذريعة حماية الأقليات. كما ناقشنا الوضع الحدودي مع لبنان استمرارًا للنقاشات السابقة وضمانًا لأعلى درجات الأمان وتفادي التصعيد هناك.
سيادة الرئيس، السيدات والسادة،
لقد ورثنا بنية تحتية مدمرة ومنهارة في سوريا، وكثير منكم رأى مقاطع الفيديو لمواطنين سوريين عادوا إلى منازلهم لأول مرة منذ أكثر من عقد يجدونها أطلالًا. ليست كل الأماكن خرابًا، لكن هناك بلدات سُرقت أسطح بيوتها، ومدن بلا كهرباء، ومخيمات تؤوي مليوني سوري، وسدود وجسور بحاجة إلى إصلاح.
إعادة الإعمار من أولوياتنا القصوى. نقوم حاليًا بتقييم احتياجات كل شبر من البلاد لضمان حصول كل مواطن على حياة كريمة وخدمات أساسية ومكان آمن يعود إليه بعد 14 عامًا من التهجير. وقد بحثنا مع الرئيس ماكرون مساهمة فرنسا في جهود إعادة الإعمار.
ندرك أن التحديات جسيمة، فإعادة البناء ليست مجرد مسألة ميزانيات وإسمنت، إنها إعادة بناء الثقة ومواجهة الآثار النفسية العميقة وضمان بأن لا يُحكم السوريون مجددًا بالخوف أو الصمت. لا مكان مستقبلًا للفتن الطائفية، ولا للسماح بانتهاك سيادتنا من أطراف خارجية.
مستقبل سوريا لن يُصاغ في الغرف المغلقة أو يُفرض من عواصم بعيدة، بل سيبنى في العلن، بأيدي المعلمين العائدين لصفوفهم، والمزارعين الذين يفلحون الأرض من جديد، والصحفيين والقضاة والشباب الذين يناقشون آراءهم بحرية وشفافية.
شكرًا لكم مجددًا. شكرًا لكم سيدي الرئيس.