الأرشيف

قمة المناخ بنسختها الثلاثين في البرازيل

2025-11-06خطاب
بسم الله الرحمن الرحيم. فخامة الرئيس لولا دا سيلفا، رئيس جمهورية البرازيل الاتحادية، أصحاب الفخامة والمعالي، السيدات والسادة. أتوجه بالشكر والتقدير إلى حكومة وشعب البرازيل الصديق على استضافة هذا المؤتمر العالمي في مدينة بيليم، قلب غابات الأمازون التي تعد رمزًا للحياة على كوكبنا، ومؤشرًا حيًا على الترابط العميق بين الإنسان والطبيعة. من هذا المكان الذي يحتضن رئة الأرض، نجدد التزامنا المشترك بحماية بيئتنا ومناخنا من أجل مستقبل آمن ومستدام لشعوبنا. إن الجمهورية العربية السورية تعبر عن تضامنها العميق مع الشعوب التي تعاني من كوارث المناخ، من فيضانات وحرائق وجفاف. فسوريا التي كانت يومًا واحة غناء تغنى بها الشعراء، عايشت معنى التغيير المناخي بأقصى أشكاله. لقد واجهت سوريا خلال السنوات الماضية تحديات بيئية مركبة تراكمت آثارها على الإنسان والموارد معًا. فالجفاف المتكرر وتراجع الموارد المائية أثرا في الزراعة والأمن الغذائي، بينما ساهمت درجات الحرارة المرتفعة والتصحر بتغير أنماط الإنتاج والحياة. وفي الوقت ذاته، تسببت الحرائق الأخيرة في خسائر بيئية كبيرة، زادها تعقيدًا تضرر البنية التحتية للمياه والطاقة خلال سنوات الحرب. كما أدت حركات النزوح الواسعة خلال سنوات الحرب الماضية إلى ضغط إضافي على الموارد والخدمات في المناطق المستضيفة بظل محدودية الإمكانات. واليوم، وصلت آثار التغيير المناخي القاسي إلى ذروتها، فعاشت سوريا هذا العام أسوأ موجة جفاف عرفتها منذ أكثر من ستة عقود، تمثلت في انخفاض مستويات الأمطار بنحو سبعين في المئة، فتحولت أراض وحقول واسعة تغذي ملايين الأشخاص إلى أرض قاحلة. وهو ما تجلى في انخفاض إنتاج القمح عما يحتاجه السوريون، الذي يعيش تسعون بالمئة منهم تحت خط الفقر، ويواجه أكثر من خمسة عشر مليون منهم انعدام الأمن الغذائي. السيدات والسادة، جئنا إليكم اليوم مدركين لحجم التحدي الذي تعيشه سوريا من التغيير المناخي، لكننا مؤمنون بأن التحديات مهما عظمت، فإن إرادة الشعوب قادرة على تجاوزها حين تتوحد حول هدف نبيل ورؤية طموحة وخطة واضحة. وهو ما نقدمه بطرح تصور مختلف كامل لإعادة الإعمار، يعيد تعريف العلاقات بين الإنسان والعمران، ويؤسس نظمًا عمرانية جديدة عادلة متكاملة مستدامة. إن رؤيتنا الطموحة تتجلى في خطتنا لإعادة الإعمار والتعافي التي بدأنا بتطبيقها، وعملنا على ترجمتها لسياسات وبرامج ومشاريع عملية ضمن إطار انتقال أخضر واضح، نركز به على الطاقة المتجددة التي نحتاجها بشدة، ونعيد به تأهيل النظم النهرية باستخدام تقنيات الري الحديثة، ونبني به مدنًا جديدة مستدامة تنهض من الركام بوسائل صديقة للبيئة، ونطبق خططًا زراعية متوافقة مع المناخ تحفظ مواردنا وشعبنا. كل هذا يستند إلى تعزيز الوعي المجتمعي بالمخاطر والمشاريع والمخاطر المناخية وآثارها وكيفية مواجهتها، ما يجعلنا نضع التثقيف البيئي والعمل المجتمعي في صميم خططنا القادمة. وكما رأينا في موجة الجفاف القادمة، فقد علمنا أن هذه التحديات عالمية بقدر ما هي محلية. ولذا فإننا نؤكد اليوم التزامنا الكامل بالاتفاقيات الدولية، وعلى رأسها اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيير المناخ التي نجتمع لأجلها اليوم. وسنعمل فورًا على تقييم بلاغاتنا المحددة وطنيًا بما يتوافق مع المعايير العالمية، وسنستكمل إجراءات تعيين نقاط الاتصال والمندوبين في الأمانة العامة للاتفاقية. بيد أنكم تعلمون أيها السادة حجم التحديات التي تواجه هذا المشروع، وتدركون كذلك أن التحديات الجسيمة تولد معها الفرص الثمينة. ولذا فإننا ندعوكم للاستثمار في سوريا بدل الاعتماد على المساعدات فقط. نقدم لكم الشراكات بدل أن نطلب المعونات. نرحب بكم جميعًا للاستثمار في سوريا ضمن قطاعات الطاقة المتجددة والمدن الخضراء المستدامة والمشاريع الرائدة، ضمن إطار الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وضمن البيئة الاستثمارية التي تحميها وترعاها وتضمنها الدولة وتشريعاتها ومؤسساتها. وفي سياق وجودنا اليوم في قلب الأمازون النابض بالحياة، فإننا ندعو لمد أواصر التعاون من الأمازون إلى بردى والفرات، ضمن إطار التعاون المتين بين الدول، وتعزيز مكانة الدول التي تقودها اليوم البرازيل بكل جدارة. وفي الختام، يقول خالقنا في كتابه الكريم: "وجعلنا من الماء كل شيء حي". نحن لا نريد إحياء مدننا فقط بإعادة بنائها، فلنسعَ لإحياء علاقتنا بالأرض وإقامة نظم متكاملة. فإن علاقة الإنسان بالطبيعة علاقة أخلاقية، بقدر ما تحترمها وتحافظ عليها، بقدر ما تعطيك من خيرها. وقد نهانا نبينا الكريم أن نقطع الأشجار حتى في المدينة، وقد قال: "لا تسرف ولو كنت على نهر جار". إن إعمار الأرض واجب على البشرية، ولكن بغير تعدٍ على الطبيعة. فإن الهواء والماء والأشجار مشتركات للبشرية جمعاء، والحفاظ عليها واجب جماعي لعيش مستدام وآمن. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.