الأرشيف

مفاتيح دمشق

2025-12-07لقاء
الفجر الثامن من ديسمبر عام ألفين وأربعة وعشرين، شهدت سوريا تحولًا تاريخيًا أنهى عقودًا من حكم عائلة الأسد. حقبة سعت طويلًا لترسيخ حضورها في الوعي الجمعي للسوريين، لكن ذلك الفجر كان نهاية لتلك الحقبة، وأغلق صفحة فكرة البقاء الأبدي التي ارتبطت بها لفترة طويلة. — مباشر طريق دمشق حمص، الله أكبر. شكل دخول دمشق على يد قوات عمليات ردع العدوان لحظة فارقة في تاريخ سوريا الحديث، لحظة احتفظ بها السوريون باعتبارها إيذانًا بنهاية مرحلة وبداية أخرى، مرحلة دفعت البلاد ثمنًا باهظًا لبلوغها، لكنها فتحت الباب أمام قراءة جديدة لتاريخ طويل من الصراع، جسدتها هذه الصورة لقائد عمليات ردع العدوان، أبو محمد الجولاني، الذي أصبح الرئيس السوري أحمد الشرع ساجدًا على أرض دمشق. — كنت أقرأ في التاريخ دائمًا كل الفتوحات العظيمة التي حصلت، أهم شيء مراقبة اللحظات الأولى للنصر لأنه قد تكون هي نفسها عينه اللحظات الأولى للهزيمة، فالتواضع فيها والخضوع لله عز وجل يستحق المشهد أن يبتدأ بذكر الله عز وجل وأن يكون فيه نوع من التواضع والخضوع، لأن شكل عام للسلطة والمال والسلاح والانتصار يورث الإنسان ما لم يكن لديه رصيد أخلاقي كبير، يورث نوعًا من الطغيان. — دمشق شيء يعني تاريخ عظيم، أحداث كبرى، تعني لي أنها مفرق تاريخي في كل مراحل التاريخ، تعنون دائمًا لمرحلة جديدة وتعنون لأفول المرحلة الماضية. كما الشارع السوري، فوجئت هيئة تحرير الشام وإدارة عملياتها العسكرية بسرعة الانهيارات التي أصابت قوات النظام السوري وحلفائه، تطورات جاءت أسرع مما كان متوقعًا، وأعادت رسم موازين القوى على نحو غير مسبوق، وانتهت بتحولات سياسية وعسكرية جديدة في سوريا، وقد عكست تسمية الحملة العسكرية بـ "ردع العدوان" تلك المفاجأة. — باختصار، عملية ردع العدوان كانت هي الحل الوحيد في ذلك الوقت، وكانت حالة ضرورية للحفاظ على ما تم إنجازه خلال 14 عامًا من الثورة. تسمية ردع العدوان لأنه كان النظام يعتدي على المناطق المحررة طيلة 5 سنوات بالقصف اليومي. — ترى الكل شاهد المقاطع في مناطق زراعية جهة ريف حلب الغربي، أو في جبل الزاوية، دومًا نشاهد قتلى وجرحى في ريف جسر الشغور، في أطراف مدينة إدلب، أطراف دارة عزة، وكان النظام باستمرار، فكانت المعركة سميت رد العدوان، لأن الهدف فيها هو رد عدوانية النظام على المناطق المحررة. — أنا أظن لو السيد الرئيس نفذ القليل، فكان أعطى تسمية أخرى، ما كان متوقع هذا الانهيار الكبير، لن يقتص عندي النظام بشكل عام، على مستوى الإقليم أو على مستوى الدولي، ما كانوا يظنوا بسرعة الانهيار عند هذا النظام بهذه الدرجة يعني، وكانوا يظنوا أن المعارك راح تطول يعني، إطالة زمن المعارك، بأي وقت راح يحسنوا يدخلوا ويتدخلوا، ويوقفوا المعركة بمكان محدد ووقت محدد، ولكن سرعة الانهيار اللي صارت عند النظام، سرعة تحرك القوات، ما خلاهم أن يلحقوا ويعملوا أي شيء. لم تكن الصدمة في الانهيار نفسه، بل في السرعة التي تحقق بها، وفي إدراك الحلفاء قبل الخصوم أن مرحلة كاملة من تاريخ المنطقة تقترب من نهايتها. — أعتقد أن الدبلوماسية الدولية كانت في حالة صدمة، أعني بالنسبة لمعظم العالم، أصبحت سوريا قصة قديمة، كان هناك عدد منا في واشنطن ولندن يحاولون إبقاء قضية سوريا حية بين حكوماتنا، ولذلك عندما شنت تلك الهجمة في 27 من نوفمبر، وفي غضون يومين سقطت مدينة حلب، كان هناك صدمة في عواصم العالم، لا أحد يتوقع أن يحصل هذا، لذلك لا أستطيع القول إن هناك دبلوماسية دولية، كانت هناك دبلوماسية أزمات بدأت في الدوحة في الأيام التي سبقت سقوط بشار الأسد. في الدوحة كان المشهد السياسي يتحرك بوتيرة متسارعة لمجاراة التطورات الميدانية في سوريا، التحركات الدبلوماسية لم تهدأ، لكن نظام بشار الأسد الذي اعتاد التشبث بمواقفه، واصل تأكيده على قوته وقدرته على السيطرة، رافضًا أي تنازل أو انفتاح سياسي تجاه شعبه، ما أضاف مزيدًا من الغموض على مداولات قمة أستانا بلس في الدوحة التي جمعت دول مسار أستانا التقليدية إلى جانب الأردن والسعودية. — الاجتماع اللي بالدوحة كان حاضرينه الروس وأيضًا الإيرانيين، وزير الخارجية كان وصل صباح السبت أو مساء الجمعة من بغداد، ما كان يحكى في كواليس مجلس وزراء أنه هناك شكل من أشكال التوافق، تسوية سياسية بشكل من الأشكال، وأن بشار الأسد ربما يصدر ما يشي بقبوله تنفيذ القرار 2254. — كان هناك ضغط من بعض الأطراف يريد أن ينتزع منا بيانًا موقعًا باسمي أو باسم فخامة الرئيس أننا موافقون على الحل السياسي وأننا ملتزمون به وكذا، وكان قد سُرب لنا في تلك اللحظة أن هناك بعض الدول التي تريد أن تضغط لإعلان إيقاف إطلاق النار يوم الاثنين أعتقد، أتكلم عن سبع شهر ليلة تحرير دمشق، وكان هناك محادثات اطلعت على بعضها في مكتب الوزير الخارجي في النظام البائد، كان هناك من يتصل معه وأيضًا يحاول أن يقنعه أن يجب عليكم أن تضغطوا على بشار الأسد حتى يأتي إلى الحل السياسي ونحن سندعمه بالمشاركة مع بعض الدول ونجمعه مع المعارضة السورية ويكون شيء بالمنتصف بدل أن نخسر كل شيء. في أروقة القمة طالبت إيران بالعودة إلى اتفاقية أستانا كأساس للحل، بينما رأت تركيا أن التطورات الميدانية تجاوزت تلك المرحلة، وأن موازين القوى الجديدة تستدعي مقاربة مختلفة. — أعتقد أن كانت تفعل الشيء الوحيد الذي كان بإمكانها محاولة القيام به لإنقاذ النظام من الهزيمة التي كانت حتمية في ذلك الوقت، كما قلت كانت عملية أستانا باعتبارها عملية شكلتها الديناميات العسكرية أكثر مما شكلتها السياسة، من الناحية النظرية هي العملية التي كان بإمكانك السعي لبدئها في ذلك الوقت إذا كنت لا تريد سقوط الأسد، كان ذلك الخيار الوحيد المتاح له. أما موسكو، الحليف الأبرز لإيران في الساحة السورية، فقد بدت مقاربتها مختلفة تمامًا، استشعرت مبكرًا ملامح التحول، وبدأت بترتيب أوراقها لمرحلة ما بعد الأسد. — كان فريق الشأن السياسي يتابع الحال السياسي بشكل ملاصق، لأنه كان تحضير سياسي قبل المعركة وأثناءها وما بعد، حصل تخفيف المخاطر المتوقعة أثناء المعركة، عندما سيطرنا على ريف الغربي لحلب، أتتنا رسالة من الروس: توقفوا عند هذا الحد، واخذوا ما أخذتم، واتركوا الاستمرار، وإلا سيتم تصعيد الموقف، فأنا قرأت هذه الرسالة على أن الوضع عند النظام منهار، فما تجاوبت، قمنا باستمرار في العمل، والحمد لله كان خيار جيد. — الفاعل الروسي كان حاضرًا معنا أيضًا في غرفة العمليات وما قبل غرفة العمليات، أن نحيد المتغير الكبير الذي قلب الأمور في سوريا رأسًا على عقب، فكان منها الروس، فمنها اخترنا كيف سنخاطبه في منتصف المعركة، ما هي شكل الشراكة التي ستكون في مستقبل سوريا إذا ما كان هناك لحظة فارقة أو تخندق سريع، وإن كانت قبل النصر بيوم واحد أو قبل إسقاط النظام بـ 48 ساعة، وبالتأكيد هذه ستحفظ. — وفي 6 ديسمبر تم الاجتماع مع الروس في معبر باب الهوى، وكانت المعركة قائمة في ذلك الوقت، فكانت الجلسة حقيقة، شكل الجلسة حتى ما كان الجلسة تستطيع أن تقرأ منه يعني شكل الميدان، فعندما تكون الجلسة في الأرض التي أنت تحت سيطرة الثوار، فبالتأكيد هناك رسالة أن المتغير في سوريا قد أصبح في واد آخر، وأصبح يجب أن نتحدث مع أصحاب هذا التغير، وكان الحديث مع الروس في تلك الفترة، وبالتأكيد كانت البداية ربما كانت فيها توجس وتحفظ من الطرفين، ولكن استفضنا في شرح رؤية الشعب السوري باتجاه سوريا، وأن المصالح تبنى مع الشعوب، وأن الروس يمكن أن تكون شريك محتمل في مستقبل سوريا. — كان الروس قد استسلموا في تلك المرحلة، كان الروس قد تقبلوا حقيقة سقوط بشار، ثم نعم سهلوا هروب بشار، ولكن كما نعلم الآن، سريع للغاية في موقفهم 180 درجة بالتواصل مع أحمد الشرع والمعارضة بشكل عام، والسعي إلى بناء علاقة جديدة تمامًا في سوريا. — وزير الداخلية اتصل معي، كما نعلم طلع هو على التلفزيون حوالي الساعة الواحدة مساء يوم السبت، وطلع على الإعلام وخبر أنه الأوضاع جيدة والعاصمة محصنة، لكن على الهاتف عندما كان يتحدث عنه، يعني يحكي معي على التلفون على الموبايل، كان يقول لي لا الوضع ليس جيدًا، الوضع ليس بهذه البساطة، وبعدين هو تواصل معي الحقيقة الساعة الثالثة أو الثالثة والنصف، وقال لي أنه خلص الأمور انتهت وأنه سيغادر. في خضم كل تلك التطورات، يبرز سؤال لم يجد إجابة واضحة حتى الآن: أين اختفت قوات الفرقة الرابعة، الحرس الجمهوري والقوات الخاصة، القوات الأكثر تنظيمًا وتجهيزًا وتسليحًا في الجيش السوري، والتي لطالما شكلت العمود الفقري لحماية النظام ومدينة دمشق؟ فقد كانت تنتشر بكثافة في منطقة القلمون وعلى امتداد الطريق الحيوي الواصل بين حمص ودمشق، ورغم أهمية هذا المحور الاستراتيجي، لم تسجل أي مواجهة تذكر لتلك القوات، وكأنها تبخرت في لحظة واحدة. هل انسحبت بأوامر عليا؟ أم جرى تفكيكها بصمت ضمن تسويات لم يكشف عنها بعد؟ — المؤسسة العسكرية حصلت على نفس المعلومات أن النظام قام باستقدام أكثر من 70% من القوة الفاعلة لديه، لا أتكلم الآن عن حالة كمية، أتكلم عن حالة نوعية، يعني القوات التي يعتمد عليها النظام تقريبًا أحضر إلى ريف حلب الغربي في ذلك الوقت من هذه القوة أكثر من 70%. — قام العدو باستقدام تعزيزات من دمشق مؤلفة من الحرس الجمهوري والفرقة الرابعة والفرقة 25، يحاول لملمة، كان يحاول لملمة الصفوف، لكن بفضل الله تم تدمير القوات التي جاءت من دمشق مؤازرة إلى محاور حلب، ثم بعد سقوط حلب، حاول النظام بهذه القوة المتبقية عنده يشد خط رباط في محاور حماة وحمص. — قوات الفرقة الرابعة تم تشتيتها، ما بين تطلع مؤازرات تجاه أثري، أو ما لحقت تعمل شيء، أو بتعزز بسهل الغاب، وبالاتجاه الساحل، أيضًا صار في انهيار، فما قدرت تسيطر على القوات بسبب سرعة المعركة، سرعة المناورة، سرعة المطاردة، فصار في حالة انهيار بالوصول لحمص، والسيطرة على حمص، فعمليًا السيطرة على حمص هي كانت نهاية أو بوادر نهاية المعركة اللي أدت إلى دخول دمشق بطريقة منظمة. — هذا النظام الحقيقة كانت عناصر قوته هي عناصر الله، كما نعلم حراسة رئيس مجلس الوزراء هي من الحرس الجمهوري، يعني هم من الجيش، وكل الموجودين عند الحرس هم ما بيخضعوا مباشرة للرئيس مجلس الوزراء، أنهم يأخذوا أوامره وتعليماته من الحرس الجمهوري، فهم ضباط وعناصر وصف ضباط من الحرس الجمهوري، فهؤلاء كما نعلم هم شبكة من الأشخاص بيعرفوا بعضهم مع فروع الأمن، في تواصل بيناتهم لأسباب لها علاقة بالقربى، لأسباب لها علاقة، وبالتالي عناصر القوة أصبحت في هذه اللحظة عناصر ضعف. بعد تحرير مدينة حمص في السابع من ديسمبر عام 2024، بدأ سباق نحو الجائزة السورية الكبرى: دمشق. ومع وصول طلائع قوات ردع العدوان إلى تخوم العاصمة، تحرك الفيلق الثامن بقيادة أحمد العودة، المدعوم من روسيا وبعض الأطراف العربية، في محاولة للتقدم نحو دمشق ومسابقة القوات القادمة من الشمال، على أمل فرقها وفرض قواعد جديدة للمرحلة المقبلة. — إضافة إلى المجموعات التي كانت داخل العاصمة وعلى مستوى ريف دمشق، صار هناك تدخل وتحرير، فجرًا تحركت المجموعات من الجنوب السوري باتجاه العاصمة دمشق، من المحور الغربي والمحور الشرقي، عبر سواتر السلام على طريق المزة إلى محافظة دمشق، قوات كثيرة، قوات إدارة العملية العسكرية، تقديرين 1500-2000 شخص، فزعت كل محافظة درعا والإثنيات، والسويداء فصارت آلاف يعني، ما صارت المسألة هي مسألة تعدد، صارت المسألة مسألة شعب يتحرك باتجاه العاصمة حتى تتحرر. — أعطيت أمر في الساعة الواحدة والنصف كل ليل، الفجر تحركت القوات مرتبطة معنا بشكل مباشر، والسويداء أيضًا، إلى العصر تحرك العدو، كان الأمر تقييم، بدأ يظهر حالة من الانهيار، كان محاولة لبعض الأطراف بيدفع بعض الناس للوصول إلى دمشق قبل أن نصل إليها. — حوالي الساعة التاسعة صباحًا، جاني رسالة واتس من إدارة العمليات العسكرية، وتواصل معي السيد الرئيس أحمد الشرع، أنه الحديث كان أنه سمعنا البيان ونحن قادمون إلى دمشق وإن شاء الله سنكون في دمشق ظهرًا. — بعد هذا الاتصال، حوالي الساعة العاشرة صباحًا، أتوا مجموعة من الشباب المسلحين وذهبت معهم إلى فندق الفور سيزونز، علمت بهذه الجلسة أنه هم من ما يسمى الفيلق الثامن، وأنه هم كانوا يعني يرغبون بأن أخرج بتصريح صحفي في ذلك التاريخ، والحقيقة أنا يعني لم أرحب بالفكرة، لأنه إدارة العمليات العسكرية لم تصل بعد إلى دمشق. — في الفجر بدأت أهيئ نفسي للذهاب، ثم بدأت أخبار التناقل يعني أن النظام أُزم، فهناك تواصلت مع كان رئيس وزراء القديم الجلالي، تواصلت معه، يعني طمنته، قلت يعني مؤسسات أن تبقى بخير، يعني نحن أتينا لتغيير رأس النظام، يعني أما المنظومة القانونية والأمن نجد تحسين عليها، لكن ما نريد أن تهدم أو أن تذهب إلى حالة من الفوضى يعني تؤثر على وضع دمشق، ثم هممت بالنزول مباشرة إلى دمشق رغم أن القوى العسكرية لم تكن بعد قد وصلت، والاتصالات كان فيها نوع من الصعوبة في التواصل. هدف أحمد الشرع كان واضحًا، وهو تحرير المدن السورية واحدة تلو الأخرى والوصول إلى دمشق. أما أحمد العودة الذي سبق القوات القادمة من الشمال بحكم قرب المسافة، مستفيدًا من انسحابه وانسحابات قوات النظام، فسعى إلى ترتيب سياسي سريع يقضي بعقد اتفاق سلام وتسليم للسلطة. الاتفاق كان يفترض أن يوقعه آخر رئيس وزراء في عهد الأسد، الدكتور غازي الجلالي، لكن الجلالي رفض تقديم استقالته إلا لقائد عمليات ردع العدوان، وعلى عجل تم اللقاء في مبنى رئاسة الحكومة بحضور أحمد الشرع ورئيس حكومة الإنقاذ القادم من إدلب، في لحظة رسمت ملامح اليوم الأول بعد الأسد. — 18 يوم تاريخي بالنسبة لسوريا والمنطقة والعالم، في اليوم التالي صباحًا قابلت السيد الرئيس وأعلمني أن في هذا اليوم لا بد أن تنقل السلطة من حكومة الجلالي، حكومة النظام آخر حكومة في النظام البائد، إلى حكومة الإنقاذ السورية التي كانت تعمل في محافظة إدلب، واتفقنا على موعد محدد نلتقي فيه في مبنى رئاسة مجلس الوزراء، بالفعل كنا هناك في الموعد، كان هناك ينتظرنا غازي الجلالي، جلسنا في تلك اللحظة المشهورة التي ظهرت على الإعلام، الحقيقة أنا شرحت الأوضاع بشكل عام، الأوضاع في البلد، وحكيت عن الواقع الاقتصادي، واقع المشتقات النفطية، والمشافي العامة بشكل سريع، وزارة الخارجية وطبيعة العمل فيها، وأن الوزراء الحاليين موجودين في وزاراتهم وهم مستعدين ليساعدوا الوزراء الجدد لمتابعة أعمالهم، نحن مع أن نستغني عن الحالة القديمة، ضروري أن نستفيد من وجودهم، ضروري أن نستفيد من توجيهاتهم، ما يهمنا أكثر فيه هو البيانات الموجودة بين أيدينا. — تم إعلام غازي الجلالي بنقل السلطة إلى حكومة الإنقاذ، بعدها قمنا أجرينا جولة داخل مبنى رئاسة مجلس الوزراء، وطلبنا من رئيس مجلس الوزراء السابق أن يرسل رسالة تطمين إلى جميع العاملين في الحكومة للاستمرار والبقاء والعمل في مؤسساتهم، ويبقون على رأس عملهم وخاصة في القطاعات الخدمية، أخذنا بكرة تصبح جلسة مشتركة بدون إعلام. — في اليوم التالي مباشرة في 10-12، كنا مجتمعين كحكومة الإنقاذ السورية بجميع وزرائها والمدراء العامين فيها، وحكومة الجلالي تغيب بعض الوزراء الذين فروا من سوريا مثل الدفاع والداخلية والخارجية، وتم نقل السلطة وتم إعلام أن كل وزير من حكومة الجلالي يسلم الملفات والأعلام والأعمال والمهام والصلاحيات والأختام وغيرها من الأمور المتعلقة بالعمل إلى نظيره من حكومة الإنقاذ. بدأت الصور تتوالى من قصر الشعب، ذلك البناء الرابض على تلال المزة، يطل بصمته الطويل على دمشق التي تغيرت ملامحها فجأة، جموع من الناس مدنيون ومقاتلون يتقدمون عبر البوابة الواسعة، يدخلون إلى الممرات التي كانت محظورة لعقود، حيث أن عنوان الهيبة والسلطة بدا خاويًا، بلا حرس بلا أوامر بلا رئيس، فمصير نظام الأسد كان قد حُسم قبل ساعات، أما القصر الذي حكم منه البلاد نصف قرن فقد صار شاهدًا على نهايته. مشهد دخول الناس إلى قصر الشعب لم يكن اقتحامًا لمبنى، بل إعلانًا بصريًا عن سقوط زمن كامل، وزمن آخر بدأ لتوه. — بشكل عام أعلنتهم أنه غادر البلاد، ما حدث هو حالة خوف ورعب شديد، وقد أتى لي الضابط المفرز وأخبرني أن رئاسة مجلس الوزراء أصبحت بلا حراسات، وأنا سأذهب لشراء السيارات، وقال له ماذا يفعل في السيارة؟ لكنه غادر ولم يعمل. — ذهبت إلى دمشق، ذهبت إلى قاسيون، كنت في هذا الطريق وأتحدثت مع الشام: قفي يا دمشق، لا قفي يا دمشق، أنا دمشق بالنسبة لي تعني أشياء كثيرة، تقريبًا في كل بضعة أيام أصبح على الشام أو أمسي عليها أو أخاطبها أحيانًا، فسوريا بالنسبة لي تعني لي الكثير، لأنني إذا رأيت شارع متسخ أشعر وكأن الاتساخ أتى علي، إذا رأيت بناء مهدم أشعر وكأنه شجر رأسي، فأنا أحس بها، أحس بها، فأشعر بحزنها وفرحها. مع غروب الشمس وفي أول ظهور له بين جموع الناس في دمشق، دخل القائد العام لإدارة العمليات العسكرية أحمد الشرع إلى مسجد بني أمية الكبير، لحظة حملت دلالة رمزية واضحة، نظرًا لما يعنيه المكان لأهل المدينة، ولما مثله هذا المكان، هذا المسجد طيلة سنوات الصراع. الزيارة التي جرت وسط حضور شعبي واسع وإجراءات أمنية مشددة، جاءت لتؤكد استقرار العاصمة، وانتقال المشهد من ميادين القتال إلى ساحات المدينة. — والله دخول الجامع الأموي تعتبر تاريخي يعني، وبالنسبة لي كان له رمزية كبيرة، أنا يعني خرجت إلى قاسيون جبال قاسيون، تكلمت مع الشام قليلًا، ثم نزلت إلى الجامع الأموي، مشهد جميل، وقوى المنتصرة تذهب متواضعين مع الله عز وجل، وتشكروا على ذلك، وتعبير جيد، لأنه جامع أموي يمثل صرح تاريخي عظيم، ويعتبر من أهم يعني رابعًا، المسجد يعتبر في العالم بعد الحرم المكي والمدني، والمسجد الأقصى يعتبر أهمية في مكان تاريخيًا وفي قلب دمشق، ورمزية كبيرة يعني. — معركة دمشق هذه تقريبًا رابع مرة نحن نسعى إلى الوصول إلى دمشق، فأول السعي كان في 2012، في ذاك الوقت طلبت من أحد الإخوان يعني يصنع منبرًا متحركًا نستطيع أن نوصله إلى المسجد الأموي، وبالفعل في ذاك الوقت قاموا بصناعته، ثم نحن انشغلنا في حرب داعش وكذا، وتغيرت الظروف والأوضاع، فعندما وصلت إلى دمشق نسيت أن آتي بالمنبر، لأنه مر عليه 12 سنة تقريبًا، كان في ذهني في ذاك الوقت أن يكون هناك نموذج وشعور وحالة محفزة، إن لم نستطع نحن أن نصل إلى دمشق، فيكون أجيال من بعدنا أو إخواننا لمن سيلحقنا فيما بعد، يعني يكون لديهم محفز لإيصال هذا المنبر أسوة بنور الدين الزنكي وصلاح الدين الأيوبي. — في الجامع الأموي تم عقد اجتماع في دمشق، وتم الاجتماع به قادة الفرق الأساسيين المعنيين في المعركة، وتم توزيع المهام، فبعض الفرق أخذت انتشار ضمن دمشق لحماية دمشق، بحماية المنشآت، حماية العاصمة من كافة الاتجاهات تحسبًا لأي ردة فعل، وصار فيه انتشار إعطاء توجيه للقوات العسكرية والقوات الأمنية بحماية المؤسسات بحماية المنشآت، للانتشار بطريقة سلمية، عدم اعتراض المدنيين يعني، التعامل الحسن، يعني هذا كان تبنيه من السيد الرئيس يعني، التعامل الحسن مع الناس كله. — قسمنا دمشق لمناطق، وكل واحد صار يأخذ قوة معه يتوجه لمناطقه، قال بس حط قوة هون هون، القصر الجمهوري والأماكن بشكل عام يعني، فنحن وزعنا قوات وبدأنا نحط بمؤسسات بأماكن لحتى نحافظ عليها لأن أنا دخلت نقطة من نقاط صراحة شفت يعني ناس عم تشيل على أكتافها وبتطلع. — أنا دخلت إلى دمشق تقريبًا الساعة الثانية ظهرًا في 8-12، كنت أنا والسيد الرئيس، طبعًا هنا المدينة شهدت حالة من الفوضى للأسف، بدأت يعني الناس تدخل إلى المقرات العسكرية والأمنية والحكومية، للأسف بعض ضعاف النفوس قاموا بسرقة بعض الأماكن، فنحن منذ دخول دمشق يعني لم نقم بجولات حتى ننظر إلى المدينة ونشاهد الذكريات وكذا لا، بدأنا بمواصلة بمسألة حاولنا أن نحافظ على البنية التحتية، وكانت حقيقية، وكانت هذه التوجيهات سيد الرئيس في كل مدينة ندخل إليها، كان يركز كثيرًا على مسألة الحفاظ على المؤسسات، وكان يوكل هذه المهمة لقوى الأمن، القوى الأمنية تمشط المناطق وتقوم بالحفاظ على البنية التحتية، وهذا الشيء فعلناه منذ البداية في ريف حلب الغربي وحتى وصلنا دمشق. "نصر لا ثأر فيه"، بهذه الجملة سعى قائد غرفة عمليات ردع العدوان إلى طمأنة الداخل: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يضرب رصاصة واحدة في دمشق"، وإرسال رسالة للخارج مفادها أن زمن الثأر انتهى، وأن سوريا تدخل طورًا جديدًا من حياتها السياسية. — ربما بعض الأشخاص وجدوا شيئًا في نفسهم عندما كنا نقول أن عقلية الدولة تختلف عن عقلية الثورة، وكنا نشير إلى طمأنة كثير من المحيط المتواجد من حولنا، بالتعريف عن الحالة السورية الجديدة أنها ستسير وفق الأنظمة والقوانين المتعارف عليها، وأنها تبتعد عن الانفعالات وعن حرارتها وعن حالات الثأر والانتقام، بالدرجة الأولى المجتمع المحلي، وبالدرجة الثانية المجتمع الإقليمي، وبالدرجة الثالثة المجتمع الدولي، من خلال قراءتنا ودراستنا للتاريخ وكل الأشياء التي حصلت من حولنا، حاولنا أن نجنب سوريا الدخول في مثل هكذا صراعات، وأيضًا نضع في عين الاعتبار أن سوريا لم تكن جميعها مع الثورة، أغلب المجتمع متعاطف مع الثورة، منهم المشارك ومنهم غير المشارك، لكن متعاطف، ومنهم الذي كان في صف النظام، لكن عقل الدولة يجبر أصحاب السلطة على أن يكونوا محتوين لكل المشهد الموجود الداخلي في سوريا، ينبغي أن نفكر بعقلية جديدة تنقذ سوريا بأكملها من مشهد الصراع ودوامة الصراع، وتذهب إلى حالة من التنمية والازدهار والتقدم وما إلى آخر. مع غروب يوم الثامن من ديسمبر، كانت دمشق قد طوت آخر فصول حكم آل الأسد، لكن خارطة العمليات لم تتوقف عند أبواب العاصمة، فقد صدرت الأوامر إلى قوات ردع العدوان بالتوجه نحو الساحل السوري، حيث بقيت آخر رموز السلطة وآخر ما تبقى من نفوذ النظام المنهار. في ساعات الليل الأولى، تحركت طلائع القوات من محيط حمص باتجاه الطريق الدولي إلى بانياس، تحت عنوان واحد: تأمين الشريط الساحلي ومنع أي محاولة لإعادة تجميع القوة. — طالبني السيد الرئيس، أذكر التقيت معه في صالة الفيحاء، قال لي اخرج إلى الساحل، وكان التحدي الأكبر آنذاك هو اندلاع حرب أهلية، كنا نرى يعني أن سوريا لا قدر الله تتعرض لحرب أهلية وهذا الشيء خطير يعني، فكان التوجه العام آنذاك من قيادة العمليات هي منع نشوب حرب أهلية بين مكونات الشعب السوري، فأنا تم تكليفي بمحافظة اللاذقية، فأخذت المهمة وانطلقت إلى الساحل. — اعتبار فرقتنا سابقًا قبل التحرير كان رباطها تقريبًا على الساحل، يعني جبل تركمان والأكراد، ففرقتنا كانت بالأصل رباطة بهذه المنطقة، طلعنا أخذنا مقرات وصار في انتشار يعني، منطقة الساحل قسمناها يعني طرطوس واللاذقية، قسمنا مثلًا اللاذقية منطقة كسب منطقة الحفة واللاذقية والقرداحة وجبلة، يعني قسمناها أربع مناطق وزعنا عليها ألوية، ركزنا فيها أيضًا طرطوس نفس الأمر، يعني صار فيه تقسيم مناطق. — أرجو أن يتودع كل من يحمل السلاح أن يتوجه إلى ثكنته وأن يلتزم بفرقته أو بكتيبته أو بلوائه ويخرج إلى المعسكرات، لا نقبل ولا نسمح على الإطلاق أن تبقى المظاهر المسلحة بهذا الشكل في الطرقات. أدرك قائد عمليات ردع العدوان منذ اللحظة الأولى أهمية فرض قواعد لعبة الجمهورية الثانية، جمهورية ما بعد حقبة بشار الأسد، فسارع إلى بسط السيطرة على دمشق وإقناع من دخلها ترغيبًا أو ترهيبًا بإخلاء المدينة من كل المظاهر المسلحة، لكن الخطر الحقيقي للجمهورية الجديدة بدأت غيومه تتراكم وتتشكل. عند الساعة الواحدة وسبع وخمسين دقيقة بعد الظهر، دوت أولى الانفجارات في حي المزة، إسرائيل التي راقبت الانهيار لحظة بلحظة لم تفوت الفرصة، فوضى القيادة في دمشق وانهيار منظومة الدفاع فتحت الأبواب أمام بنك أهداف طال انتظاره. خلال ثمان وأربعين ساعة انهالت الضربات، أكثر من ثلاثمائة هدف عسكري في دمشق وحمص والسويداء، إسرائيل وصفت العملية بأنها الأوسع في تاريخها داخل سوريا. — إسرائيل في تصوري كانت غير مدركة حجم سرعة المعركة وقوتها والقوة المتواجدة في إدلب أنها بمقدورية أن تصل إلى ما وصلت إليه، فأعتقد أنها كانت مفاجئة بالنسبة للإسرائيليين، وأعتقد كان كل خبراء العالم عسكريين والسياسيين عاجزون عن توصيف ما حصل خلال 11 يوم. — إسرائيل كانت تحضر لشن هجمات في داخل سوريا بعد انتهاء حرب لبنان، ولديها بعض المطامع إلى تواجد ميليشيات إيرانيين، فهذه الفرصة فاتت بدخولنا إلى تغيير الأوضاع، فما يؤثر في القرار، فإسرائيل ذهبت لاستهداف مواقع عسكرية حساسة، وخاصة الدفاعات الجوية، وربما كانت تهيئ لضرب إيران، فما تريد أن يكون هناك عوائق في داخل سوريا، خاصة أن كان هناك تفاهمات بينها وبين الروس، والروس انسحبوا من كل هذه المواقع وبقوا فقط في حميميم، فذهبوا لاستهداف المواقع هذه. — بالنسبة لهم كان المشهد لا زال مجهول، ولديهم حساسية مما بعد السابع من أكتوبر، وأيضًا فرصة بالنسبة لهم أن يكون هناك الوضع ضعيف للتقدم على بعض المواقع اللي يرغبون في التقدم إليها، استغلالًا لفترة انهيار النظام مع التمهيد لحالة توسعية ربما في المستقبل أو ما شاهدت. انسحاب فرقتين عسكريتين سوريتين من خطوط الجولان فتح فجوة في جدار ظل ثابتًا نصف قرن، في تلك الساعات وجدت تل أبيب الفرصة التي انتظرتها طويلًا، فرصة التخلي عمليًا عن قيود اتفاق فصل القوات لعام 1974، ومع تراجع الجيش السوري وتهاوي مواقعه الحدودية، أعادت إسرائيل رسم معادلة الاشتباك وفرضت قواعد قتال جديدة على أرض تتشكل فيها دولة جنينية لا جيش يحميها ولا سيادة تضبط حدودها. — بسقوط نظام الأسد أرضى نتنياهو اتفاق فض الاشتباك لعام 1974، واجتاح كل هذه المنطقة واحتل ما تبقى من الجولان من جبل الشيخ، احتل المرصد السوري من جبل الشيخ، وهو أعلى نقطة استراتيجية في جبل الشيخ، تطل على شمال فلسطين المحتلة، تطل على الأردن، تطل على لبنان، وتطل على سوريا إلى مشارف حمص تقريبًا، فبالتالي هذه النقطة الاستراتيجية أعلى نقطة موجودة في المنطقة تم السيطرة عليها من قبل الكيان الصهيوني لتثبيت حكمه، لتثبيت أمنه كما يدعي، فبالتالي كل هذه عربدة إسرائيلية يستقوي بما يملك من قوة عسكرية وفائض من القوة على كل المنطقة وليس فقط على سوريا. — إسرائيل غير مستعدة لقبول المخاطر الحاضرة، ولكنها أيضًا غير مستعدة لقبول المخاطر التي قد تنشأ في المستقبل، لذا شكل سقوط نظام الأسد تحولًا جذريًا في سوريا، ومن وجهة نظر إسرائيل تسبب ذلك في حالة من عدم اليقين الشديد بشأن المستقبل، لذا من وجهة نظرهم قرروا تدمير أي شيء قد يشكل تهديدًا في المستقبل، ثم احتلال أراضي إضافية تصل مساحتها إلى 200 كم مربع من الأراضي السورية الإضافية، وذلك بهدف مضاعفة حجم المنطقة العازلة كما تسميها إسرائيل أو المنطقة الأمنية. — يعني أكثر من 500 غارة جوية شنتها على الأراضي السورية، وهناك أهداف كبيرة جدًا طالت كل المطارات العسكرية ابتداءً من مطار الضمير، مطار الثعلة، مطار خلخلة، مطار بلي، وصولًا إلى مطار التيفور، مطار الشعيرات، مطار السين، مطار الضمير، مطار دير الزور العسكري، إضافة إلى منصات إطلاق الصواريخ ووحدات الدفاع الجوي، وخاصة في درعا مثلًا اللواء 89 في جباب، اللواء 112 في إزرع، قصف مراكز البحوث إن كان في دمشق أو حول دمشق، في مصياف، في حلب، استهدفت كل البنية التحتية العسكرية بما فيها الفرق العسكرية والألوية. ومع فجر التاسع من ديسمبر، كانت وحدات ردع العدوان تدخل أطراف طرطوس واللاذقية، في مشهد يطوي ما تبقى من الجغرافية القديمة للنظام، هكذا امتد خط التحرير من الشمال إلى العاصمة، ثم إلى الساحل، ليحكم السيطرة على جزء كبير من الأراضي السورية، ويضع نهاية رمزية لحكم استمر أكثر من خمسة عقود. — ما كان في أي مقاومة تذكر في الساحل، كان التحرك هو عبارة عن عملية التمشي وتثبيت مناطق، المحافظة قدر الإمكان على الأمن، وعدم القيام بأي ردات فعل، أي عمليات انتقامية، وهذا ما شهدناه ورأيناه. غير أن هذا النصر المدوي كان خلفه جهد آخر يسنده ويعمل في الخفاء منذ سنوات عديدة. — كان عندنا وحدات خاصة بالعمل خلف الخطوط، كنا نقصد فيه العمل داخل مناطق النظام البائد، طبعًا الملف تم تشكيله في وقت سابق وقديم قبل المعركة بسنوات، كان هناك لدينا تحضيرات كثيرة جدًا، طبعًا هذه التحضيرات كانت تكون على صعيد القيام بأعمال تنفيذية كبيرة، بقدر ما ركزنا على مسألة جمع المعلومات، جمع المعلومات عن مؤسسات النظام، خصوصًا المؤسسة العسكرية، المؤسسات الأمنية، معرفة مراكز الثقة، معرفة الشخصيات المهمة المحورية لدى النظام، سواء في الجانب العسكري أو الأمني، حاولنا أن ننتشر على كافة المحافظات السورية التي كانت تقع تحت سيطرة النظام، بحيث يكون لدينا تقاطع للمعلومات، لا تكون المسألة مركزة في منطقة واحدة. — طبعًا استلمت مكتب حلب خلف الخطوط منتصف 2020 تقريبًا، بناء منظومة استخباراتية بحلب، ابتداءً أن تقرأ الواقع من الخارج، ثم حددنا أهداف داخل محافظة حلب، وهي الأفرع الأمنية، نحن قلنا يجب أن يكون لدينا بكل فرع أمني بحلب مصادر، هذه المصادر يجب أن تعطينا معلومات، وبالتالي بدأنا بعمليات التجنيد داخل المنظومة الأمنية بحلب، إضافة إلى المنظومة العسكرية، طبعًا نحن بالفترة الأخيرة لا يوجد فرع أمني إلا كان لدينا فيه أشخاص، لا يوجد فرع، لا يوجد مؤسسة عسكرية إلا كان لدينا فيها أشخاص، الفرقة كليتين، الفرقة 25، مطار الجراح، مطار كويرس، مطار النيرب، معامل السفيرة، المخابرات الجوية، الأمن العسكري، أمن الدولة، الأمن السياسي، كل هذه الأجهزة كان لدينا شيئًا فيها في الداخل، حتى وصلنا إلى شيء أعمق من هذا، وصلنا إلى اختراق مراسلات اللجنة الأمنية والعسكرية بحلب. — المفاجأة من الخلف كان لها دور كثير كبير في حسم المشهد في هذه المنطقة، صحيح، طبعًا إحنا سبحان الله إذا تذكر كان في تنسيق عالي جدًا ما بين العسكرية وما بين الأمن خلف الخطوط، تم تدخيل الإخوة الانغماسيين في العصائب الحمراء في ثغرة ودخولهم إلى هذه المنطقة، طبعًا المنطقة صارت في العمق تقريبًا، في مسافة تقريبًا من هنا وبينها وبين خط الدفاع الأول على المناطق اللي إحنا كنا كان مقرر فيها العمل تقريبًا في 12-13 كيلومترًا، صحيح، فهي تعتبر من المناطق اللي كان فيها عمق يعني خلف الخطوط الثالثة تبعية الهباب، حتى كانت المدفعية هي بأماكن، لا هاي المناطق المدفعية هون موجودة خلف هاي الشيء اسمه جمعية الهادي تحت آخر جمعية الهادي آخر بابيس كان هون عنده كمان مدفعية. بموازاة التحركات الميدانية كانت معركة أخرى تدور رحاها في الفضاء الإلكتروني، فصائل ردع العدوان أطلقت عملية اختراق منسقة استهدفت الضباط والجنود في مؤسسات النظام السوري، الهجوم لم يكن عشوائيًا بل حملة سيبرانية عبر رسائل موجهة وواجهات إلكترونية مزيفة، جرى خلالها استدراج عشرات الضباط العسكريين إلى شبكات مراقبة أو التواصل معهم بشخصيات مزيفة، ما أتاح الوصول إلى بياناتهم ومراسلات داخلية سرية. — استطعنا خلال تجهيز المعركة وقبلها من إعداد فريق خاص بعمليات الاختراق لضباط النظام ورجال أمنه واستخباراته، استطعنا من خلال هذا الفريق الحصول على معلومات كبيرة جدًا، من هذه المعلومات بيانات الجيش كلها على الخطوط الأمامية، لعل الطرق توزع العدو طرق انتشار السلاح. سادت أجواء من الفرحة عند الكثير من السوريين احتفالًا بالتحرير وما حمله لهم من أمل جديد بالخلاص من النظام البائد والنظام الأسدي ومن عائلة بشار الأسد وأتباعه وعملائه وأعوانه، دمشق استعادت حالتها الطبيعية. — الدمشقيين كانوا يعني بيشعروا دائمًا أنهم هم تحت الاحتلال، حتى نحن لم نفترض الأحياء، هناك أحياء معينة لم نفوت عليها، نشعر أن هذه الأحياء لا نملكها، هذه الأحياء للمسؤولين، وأحياء أبناء النظام، هذه الأحياء التي نفتر بها بشكل طبيعي، فأنا أعتقد أنها ليست فقط أهل دمشق، كل السوريين شعروا هذا اليوم أنهم استعادوا وطنًا، وبالتالي استعادوا دمشق، والحلبيين استعادوا حلب، والحمصيين استعادوا حمص، بالتالي هي لحظة كبيرة أنا أعتقدها بتاريخ سوريا، هي اللحظة التي تجلت فيها انتماء السوريين لوطنهم. أما عربيًا ودوليًا فبدأت الكثير من الدول تتفاعل مع المرحلة السياسية الجديدة في سوريا، متجنبة التركيز على تصنيف هيئة تحرير الشام كمنظمة إرهابية، بدأ أن المجتمع الدولي يولي اهتمامًا بالاستقرار في سوريا، وخاصة في مواجهة التحديات التي شكلتها قضايا مثل الهجرة غير النظامية، وانتشار المواد المخدرة وتهريب الأسلحة والتحديات الجيوسياسية المرتبطة بذلك. — أعتقد هو هذا السلوك الصحيح، سوريا منذ تقريبًا 60 عامًا وهي منعزلة عن المجتمع الدولي ومنعزلة عن العالم، وتشعر بالعالم خائف من سوريا وسوريا خائفة من العالم، أتت هذه المعركة خلال 11 يوم حلت كل العقد المتراكمة في سوريا على مدار 60 عامًا، فالعالم لديه خبراء في السياسة ويعرفون أن يستثمروا اللحظات التاريخية الهامة، وخاصة الوضع الذي أتى بسوريا، وأيضًا الخطوات التي قمنا بها منذ بداية التحرير كانت مطمئنة للمجتمع الدولي والمجتمع الإقليمي. — لربما جرح بعض الناس المنتمين إلى الثورة السورية المباركة عندما قلنا أن الثورة قد انتهت، لكن في نفس الوقت كانت رسالة للآخرين أن الثورة لن تتمدد إلى أي مكان آخر. — في يوم 9 ديسمبر اجتمعت شخصيًا مع جميع السفراء الذين كانوا في دمشق، وأعطيناهم رؤية الدولة وكيف ستكون سوريا إلى جانب الدول العربية والأوروبية، لأن هناك كان سفراء عرب وسفراء أوروبيين وأيضًا بعض المنظمات الأجنبية، ففي تلك اللحظة اتخذ السفراء خيار البقاء في دمشق ولم يغادروا دمشق. — ليس بالضرورة علنًا ولكن سرًا، كانت هناك العديد من المناقشات على مر السنين حول ما إذا كانت هذه الجماعة قد تغيرت حقًا عن أيامها الأولى عندما كانت تعرف باسم جبهة النصرة، أعتقد أن ما نعرفه هو أنه كان هناك قدر من الاتصال خلف الكواليس من أجل محاولة التعرف على هيئة تحرير الشام قبل سقوط نظام الأسد، ولا سيما مع الحكومات الأوروبية، ولكن إلى حد ما كان هناك أيضًا تبادل للرسائل مع الحكومة الأمريكية. — عندما دخل أحمد الشرع إلى دمشق في الثامن من ديسمبر، كان هناك على الأقل بعض بناء الثقة الذي حدث بالفعل، لدي مسؤول سياسي واحد يتواصل عبر قنوات غير رسمية مع ممثلين بارزين عن هيئة تحرير الشام، لا سيما وزير الخارجية الحالي السيد شيباني، وكما تعلمون كنت أول ممثل للمجتمع الدولي يزور السيد الشرع في دمشق بعد أسبوع من تولي السلطة، وأعتقد أن الاجتماع الأول استغرق أكثر من ثلاث ساعات ونصف، حيث شرح لي ما يريد القيام به في دمشق، وشرحت له بدوري التوقعات الدولية، قلت له أيضًا إنكم تريدون الحفاظ على مؤسسات الدولة، وتريدون أن تكون الحكومة شاملة للجميع، وأن تكون العملية شاملة كذلك، وقلت له هذا أيضًا ما يريده المجتمع الدولي، وعلى المجتمع الدولي أن يفي بزيادة المساعدات الإنسانية وإنهاء العقوبات وتقديم الدعم السياسي. بعد تأمين العاصمة وفي اليوم الثالث لتحرير دمشق، اجتمع الشرع بقادة الفرق العسكرية لإعادة توزيعها على المدن السورية، بهدف تخفيف المظاهر العسكرية في المدينة. — بعد إعطاء التوجيهات للفرق المعنية في دمشق والفرق المعنية بالساحل، تم عقد اجتماع ثانٍ أيضًا في دمشق، وتم توجيه قادة الفرق في الخروج خارج مدينة دمشق، وبقاء القوات الأمنية والقوات الشرطية هي تكون معنية بتأمين الناس وحفظ الأمن والاستقرار، وجميع القوات العسكرية هي خرجت خارج أسوار دمشق، تموضعت وتمركزت بالثكنات التي كانت موجودة في أيام النظام البائد في هذه الحكومة. — استطعنا حسب ما أذكر في عشرة أيام إلى 12 يوم، استطعنا من ضبط المشهد بشكل نسبي يعني أوليًا، وإبعاد كل التشكيلات العسكرية عن المدينة، والبدء بعودة الحياة من جديد، ومسألة فتح الأسواق، وعمل المؤسسات الخدمية، الأفران، الدوائر الحكومية بشكل عام، بدأت بالعودة تدريجيًا، كان هناك جهود كبيرة من المؤسسة العسكرية والمؤسسة الأمنية في مسألة ضبط المشهد، وإعادة كل شخص إلى موقع عمله الصحيح. 12 يومًا، تحررت سوريا من شمالها إلى جنوبها، من شرقها إلى غربها، 11 يومًا شكلت الحلقة الأخيرة من مسلسل امتدت حلقاته عقودًا من الجمر السوري، نسجتها روايات مؤلمة من زنازين تدمر وصيدنايا، خيوطها من أجساد متعبة شقيت بين القضبان أو رحلت في مجازر تدمر، ورغم تحذير البراميل المتفجرة وحفر الأسيد، وتحت غازات الكيماوي، ورغم الألم والجراحات العميقة والذكريات المؤلمة، ظلت إرادة الحياة والحرية أقوى من الانكسار، وستبقى عيون السوريين تتطلع إلى مستقبل أفضل يعيشون فيه بسلام، مستقبل يليق بتضحيات أبنائهم ونضالهم من أجل مستقبل حر وعيش كريم. — أول تفاعل شعبي والفرحة التي ظهرت في عيون الناس أوصلت رسالة بليغة لكل العالم، بأن قيدهم قد حل، وأن الناس كانوا أسرى عند هذا النظام، فهذا عنوان أقنع الناس، أبلغ من الكثير من الكلام الذي كان ممكن أو تطمينات ممكن تصدر من السلطة الجديدة، فالشام كانت تعبر عن الناس، كانت لا تحتاج إلى تفسير.