الكلمة التاريخية أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بدورتها الثمانين
2025-09-24خطاب
بسم الله الرحمن الرحيم.
إن الحكاية السورية حكاية تهيج فيها المشاعر، ويختلط فيها الألم بالأمل. إن الحكاية السورية حكاية صراع بين الخير والشر، وبين الحق الضعيف الذي ليس له ناصر إلا الله، والباطل القوي الذي يملك كل أدوات القتل والتدمير. إن حكايتنا عبرة من عبر التاريخ، وتمثيل حقيقي للمعاني الإنسانية النبيلة في هذه المعركة الأزلية بين الحق والباطل.
تروى الحكاية السورية لتحكي فصلاً جديداً من فصول هذا الصراع، فصلاً مشرقاً وعظيماً بالإبداع، زاخراً بالمواجهة والإصرار والصبر والعذاب، والألم والتضحية والفداء، والتمسك بالقيم النبيلة والأعراف الحميدة، والإعداد الجاد والعمل الدؤوب، ثم الاتكال على الله. كل ذلك أدوات تعين الحق على الباطل.
أما بعد،
السيدة رئيسة الجمعية العامة،
السيد الأمين العام،
أصحاب الجلالة والفخامة والسمو والمعالي،
السيدات والسادة المندوبون،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
لقد جئتُكم من دمشق، عاصمة التاريخ ومهد الحضارات، تلك البلاد الجميلة التي علمت الدنيا معنى الحضارة وقيمة الإنسان والتعايش السلمي، لتُصبح منارةً يقتدي بها العالم. غير أن سوريا ومنذ ستين عاماً، وقعت تحت وطأة نظامٍ ظالمٍ غاشم، يجهلُ قيمة الأرض التي حكمها، ويقهرُ الشعب الودود المُسالم.
لقد صبرَ شعبُنا لسنين طويلة على الظلم والقهر والحرمان، ثم ثارَ الشعبُ مناديًا بحريته وكرامته، فقُوبلَ بالقتل والتنكيل والحرق والاغتصاب والتهجير. لقد استخدم النظام السابق في حربِه على شعبنا أبشع أدوات التعذيب والقتل: البراميل المُتفجِّرة والأسلحة الكيماوية، والتصفية الميدانية والتعذيب في السُجون، والتهجير القصري، وأثار الفتنة الطائفية والعرقية، واستخدم المُخدِّرات كسلاحٍ ضد الشعب والعالم. مزَّق بلادنا طولًا وعرضًا، وهدَّم أهمَّ حواضِر التاريخ فيها، واستخدم قواتٍ أجنبيَّة وميليشياتٍ وعصاباتٍ من أسقاع الأرض شتَّى، وارتهن بلادنا الجميلة.
وقتل النظام السابقُ نحو مليون إنسان، وعذَّب مئات الآلاف، وهجَّر نحو أربعة عشر مليون إنسان، وهدَّم ما يقرب من مليوني منزل فوق رؤوس ساكنيها.
أيها السيدات والسادة،
لقد استُهدِف الشعب الضعيف بالأسلحة الكيماوية بما يزيد عن مئتي هجوم مُوثَّق. نعم، لقد استنشق أطفالُنا ونساؤُنا وشبابُنا الغازات السامة. لقد فعل النظامُ كل ذلك ليُسكِت صوتَ الحق، ومع كل هذا الإجرام أنهى أيَّ لغةٍ سياسيةٍ للحل، رغم ما كان يُعرَض عليه. فما كان أمام هذا الشعب سوى أن يُنظِم صفوفَه، وأن يستعدَّ للمواجهة التاريخية الكبرى في عملٍ عسكريٍّ خاطِف. مواجهةٌ أسقطت منظومة إجرامٍ استمرَّت لستين عاماً مع كل داعميه. عملٌ عسكريٌّ كان ملءُه الرحمةُ والخير، وتغليبُ العفو والتسامح. معركةٌ عسكريَّة لم تتسبب بتهجير إنسان ولا قتل مدني، توجَّهت بنصرٍ لا ثأر فيه ولا عداوات، واستعاد الشعبُ فيها حقَّه وانتصر لظلمه.
نعم، لقد انتصرنا في المعركة، المظلومين والمُعذَّبين والمُهجَّرين قصراً. لقد انتصرنا لأمهات الشهداء والمفقودين. انتصرنا لكم جميعاً أيها العالم. انتصرنا لمُستقبل أبنائنا وأبنائكم، ومهدنا الطريقة لعودة اللاجئين إلى ديارهم، ودمرنا تجارة المُخدِّرات التي كانت تنتقل من بلادنا إلى بلادكم زمن النظام السابق. وتحولت سوريا بهذا النصر من بلدٍ يُصدِّر الأزمات إلى فرصةٍ تاريخيةٍ لإحلال الاستقرار والسلام والازدهار لسوريا وللمنطقة بأسرها.
السيدات والسادة،
إن الإنجاز السوري الفريد والتكاتُف الشعبي الحاصل، دفع بأطرافٍ لمحاولة إثارة النعرات الطائفية والاقتتالات البينية، سعياً لمشاريع التقسيم وتمزيق البلاد من جديد. غير أن الشعب السوري كان يملك من الوعي ما يمنعه من استمرار حصول الكوارث والعودة بسوريا إلى مُربعه الأول. فعملت الدولة السورية على تشكيل لجانٍ لتقصي الحقائق، ومنحت الأمم المتحدة الإذن بالتقصي كذلك، وخلُصت إلى نتائج مُتماثلة بشفافيةٍ غير معهودةٍ في سوريا. وأنني أتعاهد بتقديم كل من تلتَّخَت يداه بدماء الأبرياء إلى العدالة.
وفي ذات السياق لم تهدأ التهديدات الإسرائيلية ضد بلادنا منذ الثامن من ديسمبر وإلى اليوم، وأن السياسات الإسرائيلية تعمل بشكلٍ يخالف الموقف الدولي الداعم لسوريا وشعبها، في محاولةٍ لاستغلال المرحلة الانتقالية، مما يعرض المنطقة إلى الدخول بدوامة صراعاتٍ جديدة لا يعلم أحدٌ أين تنتهي. وإزاء ذلك تستخدم سوريا الحوار والدبلوماسية لتجاوز هذه الأزمة، وتتعاهد بالتزامها باتفاق فض الاشتباك لعام 1974، وتدعو المجتمع الدولي للوقوف إلى جانبها في مواجهة هذه المخاطر، واحترام سيادة ووحدة الأراضي السورية.
السيدات والسادة،
إننا من لحظة سقوط النظام السابق، وضعنا سياسةً واضحة الأهداف، حيث أنها تقوم على عدة ركائز: الدبلوماسية المتوازنة، والاستقرار الأمني، والتنمية الاقتصادية. فقد عملنا على ملء فراغ السلطة، ودعونا إلى حوارٍ وطنيٍ جامع، وأعلننا عن حكومةٍ ذات كفاءات، وعززنا مبدأ التشارك، وقمنا بتأسيس هيئةٍ وطنيةٍ للعدالة الانتقالية، وأخرى للمفقودين، إنصافاً وعدلاً لمن ظلم. وها نحن ماضون في انتخابات ممثلي الشعب في المجلس التشريعي، وأعدنا هيكلة المؤسسات المدنية والعسكرية عبر حل جميع التشكيلات السابقة، تحت مبدأ حصر السلاح بيد الدولة.
وبنشاطٍ دبلوماسيٍ مكثف، استعادت سوريا علاقاتها الدولية، وأنشأت شراكاتٍ إقليميةٍ وعالمية، وتوجهت برفع معظم العقوبات تدريجياً عن سوريا، ونطالب برفعها بشكلٍ كامل، حتى لا تكون أداةٍ لتكبيل الشعب السوري ومصادرة حريته من جديد. لقد عُدِّلت قوانين الاستثمار، وبدأت كبرى الشركات الإقليمية والدولية بالدخول إلى السوق السورية، والمساهمة من خلال الاستثمار إلى إعادة الإعمار.
إن سوريا اليوم تعيد بناء نفسها من خلال التأسيس لدولةٍ جديدة، عبر بناء المؤسسات والقوانين الناظمة التي تكفل حقوق الجميع دون استثناء. فإن سوريا بلدٌ صاحب حضارةٍ وثقافةٍ تاريخية، يليق بها أن تكون دولة القانون الذي يحمي الجميع ويصون الحقوق ويضمن الحريات، وتزدهر في ظلِّه الحياة، وتطوى فيه صفحة الماضي البائس، لنعيد مجد سوريا وعزَّتها وكرامتها.
واستكمالاً للحكاية السورية، أعلن اليوم أمامكم انتصار الحق على الباطل. وقل: "جاء الحقُّ وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقاً". وها هي سوريا اليوم تعود إلى موقعها الذي تستحقُّ بين أمم العالم. إن هذا الإعلان يُمثِّل صدىً لإرادة شعبٍ عظيم، صاغ المجد على مر العصور، ولطالما نهضَ من تحت الركام ليستعيد حقوقه وحريته وكرامته.
ونيابةً عن الشعب السوري، أتوجه بالشكر والعرفان إلى كل من وقف مع قضية الشعب السوري، وأعانه في مأساته، واستقبله في بلده، وإلى كل دول العالم وشعوبها التي فرحت بانتصار إرادة الشعب السوري، وتقف اليوم إلى جانبه في مسيرة السلام والازدهار. وأخصُّ بالشكر كلًا من تركيا وقطر والمملكة العربية السعودية، وكافة الدول العربية والإسلامية، والولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي.
وقبل الختام، فإني أودُّ التأكيد بأن الألم الذي عاشته سوريا لا تتمناه لأحد. فنحن من أكثر الشعوب التي تشعُر بحجم معاناة الحرب والدمار. ولذا فإننا ندعم أهل غزة، ولذا فإننا ندعم أهل غزة، ولذا فإننا ندعم أهل غزة وأطفالها ونساءها، وباقي الشعوب التي تتعرض إلى الانتهاك والاعتداء، وندعو لإيقاف الحرب فورًا.
وفي الختام،
إن الحكاية السورية لم تنتهِ بعد، فهي مستمرةٌ في بناء فصلٍ جديدٍ من فصولها، عنوانه: السلام والازدهار والتنمية.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.