احتفالية الذكرى الأولى للتحرير في قصر المؤتمرات بدمشق
2025-12-08خطاب
الحمد لله.
خلونا نبلِّش.
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
ثم ما بعد.
إلى الأبطال الذين حرَّروا البلاد بدمائها، إلى الأمهات اللواتي صبرن على الفقد، واحتفظن بالأمل في قلوبهن رغم الألم.
إلى الأبناء الذين فتحوا أعينهم على اليُتم، ومرُّوا بظلام الفقد قبل أن يعرفوا معنى الحياة.
وإلى الشعب السوري العظيم، الذي صمد رغم كل الصعاب، وواجه سنواتٍ من القهر والظلم، داخل البلاد وخارجها.
إليكم أيها الحاضرون في قلب التاريخ، وأنتم تشكلون صفحةً من صفحات البطولة، وحكايةً من حكايات النصر العظيم.
نبارك لكم جميعاً ذكرى تحرير سوريا من الطُّغيان والاستبداد، وعودة الوطن إلى أهله شامخًا حُرًّا عزيزًا، كما كان دوماً.
أيها الحضور الكريم، لقد فقدنا الشام دُرة الشرق لأكثر من خمسة عقود، وحاولوا فيها سلخها عن هويتها وحضارتها وعمقها التاريخي، وسعوا عبثًا لدفنها مرارًا وتكرارًا.
ولكن، أنَّى للأقمار أن تخفَى وجوهُها، وأنَّى للشمس أن يُحجَب نورُها؟
فهنا الشام، من هنا عبرت البشرية، ومن هنا ستعودُ من جديد.
ومن هذه الأرض الطاهرة، تسلَّلت إلى قلوب البشر نسائم الإيمان، ومن هنا أدرك الناس معنى الإنسانية والوفاء والعدل والحكمة، وتوارثُوها جيلاً بعد جيل.
لقد كانت حِقبةُ النظام البائد صفحةً سوداءَ في تاريخ بلدنا، استحكم فيها المُستبدُّ حينًا من الزمن، ثم ما لبِث أنهَوَى، لتُشرِقَ من جديد أنوارُ البصيرة، وحُسنُ الحِوار، وجُسورُ المحبة والإخاء.
وباتت الشام مهوى الأفئدة، ومحطَّ القلوب، وميزانَ المصالح.
وتغيَّرت حكاياتُ الناس عن سوريا وأهلِها من الإشفاق إلى الإعجاب والاعتِزاز، وأدركَت الأبصار عمودَ الكتاب، يُضِيءُ نورُه من جديد.
كلُّ ذلك في عامٍ واحد، لله الحمد.
ما أعجبَك يا شام! ففيك الخيرُ وحُسنُ المعشر، وأطيَبُ القلوب، وأفطَنُ العقول، وألمَعُ الأذهان.
وكان أهلكِ أشدُّ بأسًا حين سُلِبَت الحقوق، وأُهينَت الكرامة، وأدركوا مُبكِّرًا أن الحقوق تُنتزَعُ لا تُزرَعُ ولا تُوهَب، وأن للحُرِّيَّة ثمناً يجبُ وفاؤُه، وأن النصرَ مع الصبر، وأن مع العُسر يُسرًا.
فكان لكل ذلك جميلُ العطاء.
أيها الشعبُ الكريم، السيداتُ والسادة، لقد عمِدَ النظامُ البائدُ إلى زرعِ الفتنِ والتفرِقة بين أبناء شعبنا، وبثَّ الشكَّ في عقولِ وقلوب السوريين، فأقام بين السلطة والشعب سُدودًا من الخوف والرعب، وحوَّلَ المواطنة إلى صكِّ ولاءٍ وعبودية.
وأضعفَ عزيمةَ الناس، وأفقدَهم الثقةَ بأنفسهم، وجرَّى بلدَنا إلى أدنى المراتبِ في مختلف المجالات والاختصاصات.
وأسَّسَ لكيانٍ يقومُ على اللا قانون، ونشرَ الفسادَ والرِّشا، وأمعنَ في إفقارِ الشعب وتجهيلِه، وحرمانِه من حقوقِه المدنيَّة والسياسية.
وباتت الكلمةُ جريمةً، والإبداعُ وصمةَ عار، وحبُّ الوطن تُهمةً وخيانة.
أما اليوم، ومع إشراقِ شمسِ الحرية، فإننا نُعلِن عن قطيعةٍ تاريخية مع ذاك الموروث، وهدمًا كاملًا لوهم الباطل، ومُفارقةً دائمةً لحُقبة الاستبداد والطُّغيان، إلى فجرٍ جديد.
فجرٌ قِوامُه العدلُ والإحسان، والمُواطنةُ والعيشُ المُشترك، والإبداعُ والتألُّقُ في بناء الوطن.
إن نهايةَ معركتنا مع النظام البائد لم تكن إلا بدايةً لمعركةٍ جديدةٍ في ميادين العمل والجد والاجتهاد.
معركةٌ مُقاربة الأقوال بالأفعال، والعُهود بالوفاء، والقيم بالامتثال.
لقد منحنا الشعبُ الثقة بعد سنواتٍ من القهر والظلم، وأودعنا أمانة المسؤولية، فليكن شعارُنا الصدق وهدفُنا البناء.
أيها الشعب الكريم، منذ اللحظة الأولى للتحرير، تجولنا في المُحافظات، واستمعنا لهموم الشعب ومُطالباته، وعليه وضعنا رؤيةً واضحةً لسوريا الجديدة.
دولةٌ قويةٌ تنتمي إلى ماضيها التليد، وتطلع إلى مُستقبلها الواعد، وتُعيد تموضعها الطبيعي في مُحيطها العربي والإقليمي والدولي.
عملنا على تعريف العالم بهذه الرؤية، فاستقبلنا الوفود، وزرنا البلدان، وأسهمت جهود الدبلوماسية السورية في تغييرٍ جذريٍ لصورة سوريا في الخارج، وجعلها شريكًا موثوقًا لدول المنطقة والعالم.
وعلى الصعيد الاقتصادي والاستثماري، عقدنا شراكاتٍ استراتيجيةٍ مع دولٍ صديقةٍ في قطاعاتٍ حيوية، شملت الطاقة والموانئ والمطارات والعقارات والاتصالات.
وأسهمت هذه الشراكات في تعزيز التعافي الاقتصادي، وفتح أبواب الاستثمار، وخلق فرص العمل، وتحسين بنية الاقتصاد الوطني.
أما على مستوى الحياة والمعيشة، فقد حرصنا على ترشيد السياسات الاقتصادية لتنعكس مباشرةً على المواطنين، فرفعنا مستوى الدخل تدريجيًا، وخففنا المعاناة، وأرسينا بيئةً أكثر استقرارًا وعدالة.
كما دمجنا القوى العسكرية المختلفة ضمن جيشٍ وطنيٍّ مُوحد، قائمٍ على المهنية وولاء المؤسسة للوطن، مما أسهم في ترسيخ الأمن والاستقرار في الوطن.
واليوم، ونحن نخطو خطواتنا على طريق بناء سوريا الجديدة، نؤكد التزامنا بمبدأ العدالة الانتقالية، لضمان مُحاسبة كل من انتهك القانون، وارتكب جرائم بحق الشعب السوري، مع الحفاظ على حقوق الضحايا وإحقاق العدالة.
فحقُّ الشعب في المعرفة والمُساءلة، ثم المُحاسبة أو المُصالحة، هو أساس استقرار الدولة، وضمانٌ لعدالة، وعدم تكرار الانتهاكات، وهو حجر الأساس لبناء الثقة بين المواطن والدولة.
ولا ننسى أبداً المفقودين وأسرهم، الذين يُمثِّلون قضيةً إنسانيةً لها الأولوية لا مساومة فيها، ونحن مُلتزمون بالبحث عن الحقيقة دون توقف.
أيها الشعب السوري الكريم، لقد أثبتتم للعالم أن النصر مُجرد بداية، فتعالوا بنا جميعاً نُكمِل الحكاية.
حكاية شعبٍ صمد وصبر، فأعزَّه الله ونصره.
تعالوا لنجعل من النصر مسؤولية، تتجلَّى فينا جدًّا وعملًا، وعدالةً ورحمة، لننهض بوطننا الحبيب نحو مصاف الدول المُتقدِّمة بإذن الله.
وفي الختام، إلى أولئك الذين مهَّدوا لنا الطريق بدمائهم وعذاباتهم، وجراحهم وآلامهم، من مُجاهدٍ وأسيرٍ، وشهيدٍ وجريحٍ، وثائرٍ ومُكافحٍ، ولأسرهم أجمعين، كلُّ التحية والسلام.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.