الأرشيف

خطاب للشعب السوري

2025-05-14خطاب
دمشق وخطاب لرئيس السوري أحمد الشرع. تحت حكم النظام الساقط، قُتل فيها الشعب، وهُجّر الناس وغُيّبوا في سجون الظلام، وارتفعت أصوات المعاناة عاليًا. كما هُدمت مقدرات الدولة ونُهبت بأيدي السراق القتلة، وتحولت سوريا إلى بيئة طاردة ومنفرة لأهلها ولجيرانها وللمنطقة والعالم. نُبذت سوريا للأسف، وانزوت بعيدًا عن أشقائها وأبنائها وجيرانها، وباتت سوريا الحضارة غريبة عن تاريخها المشرف، وبعيدة عن أصالتها، وتأخرت عن مصاف الدول. وهناك، وفي إدلب العز، وفي ظل الثورة السورية المباركة، كان يُبنى مستقبل لسوريا الجديدة. تحررت البلاد، وفرح العباد، وفرح معهم أشقاؤنا والدول المجاورة، بل والعالم بأسره. وعاد روح الانتماء لشعبنا، وظهر جليًا حرص الشعب على دولته الجديدة، وحرص الدول الأشقاء وشعوبهم، ومشاركتهم لفرحة السوريين. وبدت نافذة الأمل تطل وتشرف على مستقبل واعد. غير أن سوريا مكبلة بأعباء الماضي وآهاته. وخلال الستة أشهر الماضية، وضعنا أولويات العلاج للواقع المرير الذي كانت تعيشه سوريا، وواصلنا الليل بالنهار. فمن الحفاظ على الوحدة الداخلية والسلم الأهلي، وفرض الأمن وحصر السلاح، ودمج الفصائل في وزارة الدفاع، وتشكيل الحكومة واللجنة الانتخابية لتشكيل البرلمان، والإعلان الدستوري والمؤتمر الوطني، وتشكيل هيئة العدالة الانتخابية، وإلغاء القوانين الجائرة، وتحرير السوق، وتقييم الواقع المؤسساتي والخدمي، ووضع اليد على الخلل وطرق علاجها. وتزامن مع كل هذا جولات مكوكية للدبلوماسية السورية لمشاركة الدول للتعريف بواقع سوريا الجديد، التي قامت بالمشاركة بأهم المنتديات والمؤتمرات الدولية، ورفعت علم سوريا الحبيبة في الأمم المتحدة. كما ونجحت في فتح أبواب مغلقة، ومهدت الطريق لعلاقات استراتيجية مع الدول العربية والغربية. فرأينا لهفة أشقائنا من الدول، واكتشفنا أن العالم بأسره يحب سوريا ويهتم لشأنها، لما لها من مكانة عظيمة في نفوسه. لقد زرت الرياض قبل عدة أشهر، والتقيت ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، ووعدني ببذل وسعي لإزالة العقوبات عن سوريا، ورأيت في عينيه وعيون شعبه حبه الكبير لسوريا، ونظرة ثاقبة لمستقبلها الاقتصادي. — ثم زرت الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي وقف مع الشعب السوري، وتحمل ودولته الكثير خلال أربعة عشر عامًا استضاف بها ملايين السوريين، مع كل ما تحمله من أعباء. رأيت أيضًا الحب والود، والفرحة والاستعداد التام لأن تقف سوريا على أقدامها. — ثم زارني وزرت الشيخ تميم بن حمد، الذي صبر مع الشعب السوري بموقف يسجله التاريخ، ومنذ لحظة التحرير وهو يقف بجوارنا. — ثم زرت الشيخ محمد بن زايد، الذي سارع بفتح أبواب الإمارات العربية المتحدة لإخوانه السوريين، وأبدى استعداده التام لفعل كل ما يحبه وما يلزم لتنهض سوريا من جديد. وقد كان أول من بارك لنا الملك حمد بن عيسى، ملك مملكة البحرين، وكذلك أشقاؤنا في الكويت وسلطنة عمان. ولا أنسى ملك الأردن عبد الله بن حسين، وترحيبه الحار، وموقف المملكة بالقضايا الساخنة. وكذلك الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس مصر، الذي رأيت حرصه على نهضة سوريا واستقرارها وإعمارها. وكذلك ليبيا والجزائر والمغرب والسودان، والأشقاء في اليمن السعيد. — ودولة الرئيس محمد شياع السوداني، الذي أبدى رغبته بعودة العلاقات السورية العراقية والتبادل التجاري المثمر. — ثم كان لقاؤنا بالرئيس ماكرون، الذي أبدى استعداده مبكرًا لرفع العقوبات عن سوريا، ومعه في ذلك أهم دول الاتحاد الأوروبي كألمانيا وإيطاليا وإسبانيا. كما سارعت بريطانيا مشكورة عن رفع العقوبات عن سوريا الحبيبة. أيها الشعب، لقد كانت وحدتكم وحبكم لبلادكم وتضحيتكم لأجلها، ومعاناتكم في المخيمات، ودماء الشهداء والمعتقلين، وإظهار فرحتكم بسوريا الجديدة، والتفافكم حول قيادتها، كبير الأثر في التأثير بالرأي العالمي تجاه سوريا. وأن تفاعل الجاليات السورية في الخارج ومساهمتهم البناءة في المطالبة برفع العقوبات كان لها كبير الأثر كذلك. أيها السوريون، إن تلاحم الشعب ووحدته بين الداخل والخارج، وقربه من أشقائه، وحسن جواره، له رأس مال قوي لسوريا. واليوم نشهد ثمرة ذلك عيانًا وواقعًا، فليس هناك أجمل من الأخوة الصادقة والمحبة العفوية بين الدول وشعوبها. وإنني اليوم لا أحتفل برفع العقوبات عن سوريا فحسب، ففرحتنا تكمن في القوة الصادقة، وعودة المشاعر الجياشة بين شعوب المنطقة وملوكها وأمرائها ورؤسائها. فإن وحدة القرار والتوجه لا يخيبها الله. فقد صدق الأمير محمد بن سلمان بما وعد به، وصدق رئيس أردوغان بمحبته، وصدق الأمير تميم بوفائه، وصدق الشيخ محمد بن زايد بلهفته، وسائر الحكام صدقوا جميعًا بمشاعرهم. وقد استجاب الرئيس ترامب مشكورًا لهذا الحب، فكان قرار رفع العقوبات قرارًا تاريخيًا شجاعًا، أزال به معاناة الشعب، وساعد على نهضته، وأرسى أسس الاستقرار في المنطقة. أيها السوريون، إن الطريق لا يزال أمامنا طويل، فاليوم قد بدأ العمل الجاد، وبدأت معه نهضة سوريا الحديثة. لندعم سوريا معًا نحو التقدم والازدهار، والعلم والعمل. ومن هذا المنطلق، نؤكد أن سوريا تلتزم بتعزيز المناخ الاستثماري، وتطوير التشريعات الاقتصادية، وتقديم التسهيلات الكفيلة بتمكين رأس المال الوطني والأجنبي من الإسهام الفاعل في إعادة الإعمار والتنمية الشاملة. ونرحب بجميع المستثمرين من أبناء الوطن في الداخل والخارج، ومن الأشقاء العرب والأتراك، والأصدقاء حول العالم، وندعوهم للاستفادة من الفرص المتاحة في مختلف القطاعات. إن سوريا تعاهدكم أن تكون أرض السلام والعمل المشترك، وأن تكون وفية لكل يد امتدت إليها بخير. ولن تكون سوريا بعد اليوم ساحة لصراع النفوذ، ولا منصة للأطماع الخارجية، ولن تسمح بتقسيم سوريا، ولن نسمح بتقسيم سوريا، ولن نفسح المجال لإحياء سرديات النظام السابق لتفتيت شعبنا. سوريا لكل السوريين، بكافة طوائفها وأعراقها، ولكل من يعيش على هذه الأرض المباركة. التعايش هو إرثنا عبر التاريخ، وأن الانقسامات التي مزقتنا كانت دائمًا بفعل التدخلات الخارجية، واليوم نرفضها جميعًا. لقد علمتنا المحن أن قوتنا في وحدتنا، وأن طريق النهوض لا يُعبد إلا بالتكاتف والعمل الجاد. لن ننسى شهداءنا والجرحى، ولن نغفل عن حقوق من فقدوا أحبتهم، بل سيكونون حاضرين في كل خطوة نحو المستقبل. عاشت سوريا حرة أبية، وعاش شعبها العظيم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.